مهمة مختلفة لجهاز مكافحة الإرهاب العراقي: ملاحقة الفاسدين

17 سبتمبر 2020
الصورة
أنشئ الجهاز لمواجهة "القاعدة" ثم "داعش" (علي مكرم غريب/الأناضول)
+ الخط -

يخوض جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، معركةً جديدة ومختلفة تماماً عن الهدف الذي أُنشئ في سبيل تحقيقه بداية العام 2006، وحوّله إلى يدٍ ضاربة لمواجهة مسلحي تنظيم "القاعدة"، ومن ثم تنظيم "داعش"، وذلك بعد تكليف حكومة مصطفى الكاظمي له بمهمة تنفيذ أوامر القبض والاعتقال بحق المسؤولين المتهمين بقضايا الفساد، وكذلك فرض سلطة الدولة على المنافذ الحدودية والموانئ التي تعاني من سطوة المليشيات المسلحة.
الجهاز الذي يحظى بدعمٍ أميركي منذ تأسيسه، ويرأسه الجنرال عبد الوهاب الساعدي، بات رسمياً الذراع المنفذة لأوامر الاعتقال التي تصدرها لجنة التحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية التي شكّلها الكاظمي في 27 أغسطس/آب الماضي. ويترأس هذه اللجنة ضابطٌ رفيع في وزارة الداخلية، ويشارك في عضويتها ممثلون عن أجهزة أمنية حسّاسة، مثل جهازي الاستخبارات والأمن الوطني، بينما يتولى جهاز مكافحة الإرهاب مهمة تنفيذ قرارات القضاء المتعلقة بعمل اللجنة. وخوّل الكاظمي لجنة التحقيق بقضايا الفساد، حقّ طلب أيّ معلوماتٍ متعلقة بالقضايا التي تنظر فيها، من الوزارات، أو حتى من مؤسسات غير مرتبطة بالعمل الحكومي، كما كلّف جهاز مكافحة الإرهاب مهمة تنفيذ القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق، أو المحاكم المختصة بالمسائل التي تخص لجنة التحقيق في قضايا الفساد، وفقاً للقانون.

يتولى جهاز مكافحة الإرهاب حالياً التحرك نحو ما لا يقل عن 40 قضية فساد يتورط فيها مسؤولون سابقون وسياسيون

وباشر جهاز مكافحة الارهاب أولى مهامه المرتبطة باعتقال المتهمين بالفساد، ليل الثلاثاء –الأربعاء، باعتقاله رئيس هيئة التقاعد السابق أحمد الساعدي، لاستغلال منصبه خلال السنوات الماضية، والتورط في قضايا فساد، كما دهم مقرات ومنازل مسؤولين آخرين، بينهم وزيران لم يتم الكشف عن اسميهما حتى الآن، وسط معلومات بأن رئيس ديوان الوقف السني عبد اللطيف الهميم ونجله، هما من بين الذين كُلّف الجهاز باعتقالهم بالتهمة ذاتها أيضاً.
وبحسب مسؤولٍ حكومي في بغداد، فإن وحدة العمليات الخاصة في جهاز مكافحة الإرهاب، تتولى حالياً التحرك نحو ما لا يقل عن 40 قضية فساد يتورط فيها مسؤولون سابقون وسياسيون ومسؤولون في حكومات محلية بمحافظات عدة، لافتاً إلى "انتداب قاضٍ متخصص من قبل مجلس القضاء الأعلى لهذه المهمة، من أجل تجاوز الروتين والتأخير".

وأضاف المصدر، لـ"العربي الجديد"، أن الكاظمي اختار جهاز مكافحة الإرهاب لتنفيذ المهمة، كونه أكثر الأجهزة الأمنية بعداً عن التوجهات السياسية، وكذلك لقدرته على تنفيذ عمليات خاصة بشكل أفضل من الوحدات الأمنية الأخرى، حتى لو كان المُستهدف سياسياً، وحتى لو كانت الفصائل المسلحة توفر له الحماية. وقال المسؤول الحكومي، إن اللائحة تضم اليوم أكثر من 30 شخصية متهمة بالفساد، سينفذ جهاز مكافحة الإرهاب عمليات اعتقال بحقها خلال الأيام القليلة المقبلة. ومن ضمن هذه الشخصيات، بحسب المصدر، وزراء سابقون ومحافظون ورؤساء مجالس المحافظات ووكلاء وزارات ومدراء عامون، ونواب، بالإضافة الى شخصيات منضوية في فصائل مسلحة ضمن "الحشد الشعبي"، ومتورطة بقضايا فساد واستغلال المنصب، مع رجال أعمال تحوم حولهم شبهات فساد". ووضع المسؤول الحكومي ما يقوم به الجهاز، في إطار "المحاولة أو التجربة الجديدة لمواجهة ملف الفساد المستشري في البلاد"، معتبراً أنه "في حال الفشل، فإن الأوضاع ستكون معقدة للغاية، كما أن خيبة الأمل الشعبية ستتضاعف إذا ما تمّ اعتقال مسؤولين واستثناء آخرين". ولفت المصدر إلى أن "لجنة التحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية، تعمل بسرّية تامة، وليس لأعضائها ورئيسها أي اتصال مع مسؤولين حاليين أو سابقين، وحتى سياسيين، كما أن هؤلاء يخضعون لتبديل أرقام هواتفهم بشكل متواصل، كي لا يتعرضوا للضغوط".

لجنة التحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية، تعمل بسرّية تامة

من جهته، أكد عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد، سعد المطلبي، على أن تحرك جهاز مكافحة الإرهاب في قضايا غير مرتبطة بالإرهاب، أمرٌ يكفله القانون. وأوضح، المطلبي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن من مهمات الجهاز، قانونياً، التدخل في حفظ الأمن الداخلي، وهو يتمتع بصلاحيات واسعة، لافتاً إلى أن "الفساد آفةٌ تهدد أمن الدولة بالكامل".
وحذّر المطلبي، في الوقت ذاته، من إمكانية أن تفتح عمليات الاعتقال، إذا ما طاولت شخصيات بارزة ومتنفذة، باب المواجهة بين القوى السياسية ورئيس الوزراء، لكنه شدد على أنها إذا اقترنت بتهم ثابتة وأدلة، فستلقى دعماً من جميع الأطياف السياسية، بغض النظر عن هوية المعتقلين. ورأى المسؤول الأمني في مجلس محافظة بغداد، أن هذا التطور من شأنه "ضبط العملية السياسية في العراق، ومنع تحويل هذا البلد إلى قرية للفاسدين، المحميين والمحصنين سياسياً". وحذّر المطلبي من وجود تخوف من تحويل عمليات الاعتقال إلى تصفية حسابات واستهداف سياسي، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المبكرة"، داعياً إلى أن تكون المحاكمات علنية، وإلا ستكون الاعتقالات مسيّسة وغير شفافة".
وشدّد النائب عن تحالف "الفتح"، عدي شعلان، في اتصال مع "العربي الجديد"، على أن "أي قوة أمنية لا يمكنها تنفيذ اعتقال، بلا أمرٍ قضائي، ولذلك فمن المؤكد تنفيذ الجهاز عمليات القبض وفق مذكرات صادرة عن القضاء". وتحدث شعلان عن "دعم كل القوى السياسية العراقية لحكومة مصطفى الكاظمي في محاربة الفساد، ولعمل اللجنة في ملاحقة الفاسدين"، وهو أمرٌ على حدّ قوله "يحظى بتوافق وإجماع سياسي"، مشدداً على ضرورة أن تترافق الاعتقالات أو الملاحقات، مع أدلة دامغة بعيدةٍ عن مبدأ تصفية الحسابات". ووصف النائب عن تحالف "الفتح" أيّ استغلال لعمل لجنة التحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية، من أجل تصفية الحسابات، في حال حصل، بـ"الانقلاب"، والذي "لن تقبل به القوى السياسية أو الشارع العراقي".

المساهمون