من نجومي الزاهرة في مطاعم مصر القاهرة (2)

11 سبتمبر 2020
+ الخط -

إلى جوار الصراصير المارقة والقطط اللابدة والعمال، كانت المشكلة الأبرز للأكل خارج المطعم هي الغبار المنبعث من تراب الشارع بفعل أقدام المارة وعجلات الموتوسيكلات والبسكليتات والسيارات، لكننا كنا نتحمل ذلك لأن الأكل داخل المطعم الضيق لم يكن اختياراً محبباً، ليس فقط بسبب الصهد المنبعث من نيران الطبخ، وإنما بسبب قرب إحدى الترابيزات من حوض غسيل الأطباق، إلا إذا كنت ستتفهم فكرة طرطشة رغوة الصابون عليك حين ينفعل الصبي الذي يغسلها ويتذكر ما يحزنه، أما الترابيزة الثانية فقد كانت ملاصقة لنافذة ضخمة مقبضة تطل على منور ضيق مكتوم، كان يفترض بها أن تكون مصدراً لتهوية المكان، لكنني لا أذكر أنني ضبطت نسمة هواء متلبسة بالخروج منها، وكنت حين أذهب لغسل يدي في الحوض القريب منها، أتحاشى النظر إليها خوفاً من أن ينقض علي منها فأر عدواني أو عِرسة مرتبكة.

الغريب أنني كنت أجد تلك الترابيزة خالية على الدوام، حتى حين تمتلئ الترابيزات الموجودة بالخارج، ليزول استغرابي حين رأيت مرة شاباً نصف عارٍ يندفع قافزاً من فضاء النافذة، ويحط على أرض المطعم في توازن مدهش، ليلقي السلام على الطباخ الذي رد تحيته بضجر منضبط، وحين عاود الشاب الجري، قال الطباخ للصبي الذي يغسل الأطباق: "ابعد الأطباق اللي عندك دي أحسن ولاد الوسخة اللي بيجروا وراه يكسروها"، لنبقى دقيقة أو دون ذلك في حالة ترقب ناظرين إلى النافذة التي اندفع منها بعد قليل شاب ضخم يحمل ساطوراً، لم يساعده وزنه والجلابية التي كان ذيلها في فمه على النط، فتدألج على الأرض واصطدم بالترابيزة القريبة من حوض الغسيل فأطاح بما عليها من أطباق، واستقر الساطور على بعد سنتيمترات من قدم الجالس على الترابيزة، ليقابل الطباخ والجرسون وصبي الغسيل والزبون ذلك الاقتحام بانضباط نادر، وينشغل كل منهم بالنظر في اتجاه بعيد عن الشاب الذي أخذ وقعته كاملة، ثم نهض منها وعاد للجري خلف هدفه، ليتحرك الجميع لإزالة آثار عدوانه على المحل مكتفين بغمغمات غاضبة، وظل ذلك المشهد لا يغادر ذهني أبداً، وقمت بكتابته في سيناريو فيلم كان يتضمن مطاردة في أزقة منطقة شعبية، لكن الظروف لم تساعدنا على تنفيذه.

كان أي من تلك الملابسات كفيلاً بدفعنا إلى هجر ذلك المطعم للأبد، لكن أكله الطِعِم ظل يشفع له لدينا، فنتحمل كل مشاكله ونستمر في التردد عليه، لأنه كان يختلف عن غيره من المسامط في تنويعه لقائمة اللحوم التي كان يقدمها، فكان يقدم النيفة والكفتة والكبدة والسجق وهُبَر اللحمة، إلى جوار الكوارع والممبار واللسان والفشة والسمين وغيرها من فواكه اللحوم، لكن طبق شوربة الفتة كما أسميناه ظل طبقه الأثير لدينا، ثم تغير ذلك الولاء للمطعم بعد فترة من بداية عملي في السينما، خصوصاً حين بدأت الظهور في برامج التلفزيون للحديث عن أفلامي بصحبة نجومها، وكان من سوء حظي أن شاهدني الجرسون الذي اتضح أنه محب عتيد للسينما، وأنه كان يشاهد أفلامي، حين تعرض في سينما رويال بعد نهاية عرضها في سينمات الدرجتين الأولى والثانية، ليظهر لي فجأة أن وجهه قادر على أداء تعبيرات أخرى غير التجهم والقرف، وأن عضلات فكه تسمح بالابتسامات العريضة والضحكات الودودة التي يعتبر عمل الزبون في السينما شرطاً وحيداً لإطلاقها.

بدأ أصدقائي يتهربون من مصاحبتي إلى المطعم، لأن الرجل كان يزعجهم حين يلبد إلى جوار ترابيزتنا وينهال بالأسئلة، وحين لا يجد لها إجابة، ينهال علينا بالحكايات السمجة التي تحوم بإصرار حول الأنصاف السفلية للفنانين والفنانات

كان الأمر لطيفاً في البداية، وكنت أتفشخر به على زملائي من رفاق سنوات الكفاح والكحرتة، قبل أن أختبر الآثار الجانبية المزعجة للموضوع، والتي كان أكثرها إزعاجاً الأسئلة المتلاحقة عن الحياة الشخصية والعاطفية والجنسية لكل من عملت معهم من ممثلين وممثلات، وهي أسئلة لم أكن أحب الإجابة عنها، فضلاً عن عدم امتلاكي لإجابات على أغلبها، وكان يدهشني أن أجد ذلك الجرسون الفضولي، وهو القابع في زخانيق المطعم أكثر دراية مني بزيجات وطلاقات وصحوبيات بعض من أعرفهم من سنين، وبالطبع لم يكن يصدقني حين أقول له إنني لا أعرف ما يتحدث عنه، لأن علاقتي بأغلب من أعمل معهم من الممثلين والممثلات علاقة عمل وليست علاقة صداقة وثيقة، فيقول متغاضباً إنني لا أحتاج إلى أن أخزي العين في حديثي معه، لأنه رآني في برنامج كذا وأنا أضحك بحميمية مع فلانة، وسمع في برنامج كذا علان وهو يتحدث عن صداقتنا الوثيقة، مما يعني أنني أعرف كل شيء عن الوسط الفني، لكنني أخبّي عليه تلك الأسرار صوناً للعشرة والعيش والملح، وهو قرار يتفهمه، لكنه يعدني بأنه لن يخذلني وأن ما سأحكيه له لن يخرج برّانا أبداً، مؤكداً أنني لا يجب أن أخاف من سماع الطباخ وصبي الغسيل وعامل التنظيف لما سأقوله لأنهم بهائم في الفن والسينما والحياة.

بدأ أصدقائي يتهربون من مصاحبتي إلى المطعم، لأن الرجل كان يزعجهم حين يلبد إلى جوار ترابيزتنا وينهال بالأسئلة، وحين لا يجد لها إجابة، ينهال علينا بالحكايات السمجة التي تحوم بإصرار حول الأنصاف السفلية للفنانين والفنانات، الذين يجمع الجرسون ككثير من المصريين بين محبتهم الغامرة والاحتقار الدفين لهم والحقد العارم على النعيم الذي يتصور أنهم يرفلون فيه، وحين يشعر أن العيار فلت منه حبتين، يقوم بمجاملتي مؤكداً أنني لست شبههم في الآخر، فأنا كاتب وابن بلد لا يمكن أن ينسى أصله ويبعد عن عاداتنا وتقاليدنا، وحين كنت أقول له إن المسائل ليست كما يتصور، وأنه متأثر أكثر من اللازم بأجواء أفلام السبعينات التي يشاهدها في سينما رويال، كان يصدّر في وجهي ابتسامة لزجة يتبعها بالحديث عن تعاطفه معي لأنني مضطر لتحمل ما أرفضه أخلاقياً، من أجل أن تصل أفلامي إلى الناس.

ومع أن أصدقائي كانوا ينصحونني بالتفويت وهز رأسي دون تعليق حتى ننتهي من طفح الأكل الذي أصبحت لذته تقل زيارة بعد أخرى، لكنني كنت أعتبر أن ذلك أمر لا يليق بحق أناس أكلت معهم عيشاً وملحاً ولا بد لي من رد غيبتهم، لذلك كنت أستمر في مناقشته ومقاوحته دون جدوى، ليزيد الإنترنت الطين بلّة، حين أصبح الجرسون واحداً من أبرز المترددين على المنتديات المعفنة المتخصصة في مسك سيرة الفنانين ونشر صورهم العارية المركّبة والأصلية، وقد كانت واحدة من تلك الصور المفبركة سبباً في أول وآخر خناقة حامية بيني وبينه، حين أصر على أن يعرضها لي على شاشة هاتفه المحمول الذي اشتراه خصيصاً لأن جودته في تحميل وعرض الصور أعلى من غيره، وحين نبهته غاضباً إلى حرمانية ما يفعله، على الأقل بوصفه من حراس الأخلاق والفضيلة، استعاد فجأة وجهه القديم، وسحب شخرة طويلة قال لي بعدها إنني آخر من يتكلم عن الحرام، وأنا منقوع في الحرام حتى أذنيّ، فقمت بتلبيسه طبق الشوربة الذي كنت أتمنى أن يتركني لأستمتع به في سلام، وكان ذلك آخر عهدي به وبالمطعم وبتلك الشوربة البديعة التي انضمت إلى جوار طبق فتة العدس الساحرة في قائمة المفقودات التي قل أن يجود بمثلها الزمان.

...

فصل من كتاب عن مطاعم القاهرة بعنوان (نجومي الزاهرة في مطاعم مصر القاهرة) ـ تحت الطبع.