من رسائل تشيخوف

27 اغسطس 2019
تختلف وتتنوع أنواع الأدب التي كتبها الأديب الروسي الرائع، أنطون تشيخوف. فبينما ينظر إليه بعضهم على أنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، فقد كتب أيضاً في المسرح، وكانت له من المسرحيات الرائعة "الآثار الضارة للتبغ"، والمسرحية الأجمل التي صادفتني لأول مرة في أحد مؤلفات الكاتب المصري، عبد الوهاب مطاوع، والذي أدين له بمعرفة تشيخوف، وأعتقد أنها كانت ضمن كتاب مطاوع "ترانيم الحب والعذاب". ولكن تشيخوف، ومع احترافه في جميع أشكال الأدب، فقد احترف أيضاً نوعاً آخر من الأدب، وهو أدب الرسائل. وبالنسبة لي هو الأفضل على الإطلاق، وإن كان أدب الرسائل يحوي من العظماء الكثير. على سبيل الذكر، فيكتور هوغو، الذي كان يكتب الرسائل إلى محبوبته أديل، والتي خطبها لنفسه وكانت محبوبته ذكية عرفت كيف تصون تلك الرسائل من العبث فوضعتها في مكان أمين، على الرغم من تنويه فيكتور لها بأن تحرقها، وظهرت هذه الرسائل بعد رحيل هوغو، وأصبحت من آثاره البديعة.
كانت من بين الرسائل التي كتبها تشيخوف تلك الموجهة إلى أخيه ألكسندر، وهي الرسالة الأجمل على الإطلاق، وهي شروط يجب أن يستوفيها المثقفون في ثماني نقاط: أولا، احترام الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا السبب هم دائماً ودودون، دمثون، ومستعدون للعطاء. إنهم لا يتشاجرون بسبب مطرقة أو قطعة مفقودة من المطاط الهندي، وإذا عاشوا مع أحد لا يعدون ذلك منحة منهم، ويرحلون دون أن يقولوا "ليس بوسع أحد أن يعيش معك"، إنهم يصفحون عن الضوضاء والبرودة واللحم المقدد والنكات ووجود غرباء في منزلهم. ثانيا، يتعاطفون، ليس فقط مع المتسولين والقطط. وتتفطر قلوبهم لما يرونه أو لا يرونه. إنهم يسهرون الليل لمساعدة شخص ما، ولدفع نفقات الإخوة في الجامعة، ولشراء الملابس لأمهاتهم.
ثالثا، إنهم يحترمون ممتلكات الآخرين، ولهذا يسددون ما عليهم من ديون. رابعا، إنهم مخلصون، ويخشون الكذب كما تخشى النار. إنهم لا يكذبون حتى ولو في الأشياء الصغيرة. فالكذب إهانة للمستمع ويضعه في منزلة أدنى بالنسبة للمتحدث. لا يتظاهرون، بل لا يتغير سلوكهم في الشارع عنه في المنزل، ولا يتعمدون الاستعراض أمام رفاقهم الأقل منزلة. لا يثرثرون، ولا يثقلون على الآخرين بثقتهم بأنفسهم. واحتراماً منهم للآخرين، فإنهم يميلون إلى الصمت أكثر من الكلام.
خامسا، لا يحطون من قدر أنفسهم للحصول على شفقة الآخرين. ولا يلعبون على شغاف قلوب الآخرين، ليجعلوهم يتنهدون ويستحوذون عليهم. ولا يقولون "يساء فهمي" أو "لقد أصبحت شخصاً من الدرجة الثانية"، لأن كل ذلك ليس سوى سعي وراء تأثير رخيص، ومبتذل وتافه وزائف.
هم لا يعانون من الخيلاء والغرور. ولا يحفلون بتلك الماسات الزائفة (أقصد المشهورين)، ولا يأنفون من مصافحة السكير، وينصتون إلى صيحات إعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفوتوغرافية، ويترددون كثيراً إلى الحانات.
سادسا، إذا أبرموا صفقة متواضعة، فإنهم لا يتباهون كما لو كانوا عقدوا صفقة بمئة روبيل، ولا يعطون لأنفسهم أولوية على الآخرين. إن الموهوب الحقيقي دائماً ما يحافظ، على اندماجه بين الجموع، وبعيداً قدر المستطاع عن الإعلان، وحتى كرايلوف، قال، سابقاً، إن البرميل الفارغ يصدر عنه صدى صوت أكثر من البرميل الممتلئ.
سابعا: إذا كانت لديهم موهبة يحترمونها، ويضحون في سبيلها بالراحة والنساء والخمر والخيلاء. إنهم فخورون بموهبتهم، وبالإضافة إلى ذلك من الصعب إرضاؤهم. ثامنا، ينمّون الحس الجمالي داخلهم، ولا يستطيعون الذهاب إلى النوم بملابسهم، ولا يتحملون رؤية الشروخ ممتلئة بالحشرات، أو تنفس هواء فاسد، أو السير على أرض عليها بصاق، أو أن يطهوا وجباتهم في موقد زيتي. ويسعون قدر استطاعاتهم إلى كبح جماح رغباتهم الجنسية والسمو بها. وليس ما يرغبونه في المرأة أن تكون رفيقة فراش، ولا يطلبون المهارة التي تظهر عبر المضاجعات المتتالية. إنهم يرغبون، خاصة الفنانين منهم بالأناقة، والإنسانية، والاحتواء، والأمومة.
تعليق: