من دفتر الحج

11 اغسطس 2019
من أيام الطفولة نقتبس: يمتلئ المنزل بعشرات النساء من مختلف الأعمار، تتوسطهن سيدة، يبدو منذ اللحظة الأولى أنها الأكبر سنا. تبدأ بالغناء، وتردّد تلك الكلمات، لا أعلم إن كانت من الشعر أم من الأدب أم من كلام "الجن"، إذ من الصعب مع نبرة الغناء تلك تحديد مخارج الحروف. ولكن الجميع حولها يتفهمون معاني تلك الكلمات جيداً، بينما يصعب على الآخرين محاولة فهم ماذا يقال، ولماذا بالذات هذه الطريقة في الغناء؟
لا أعتقد أن أحداً في صعيد مصر لم يتكرر أمامه هذا المشهد عشرات المرات، فبالنسبة لنا في صعيد مصر، يبدو هذا مألوفا تماماً مع قدوم أيام الحج.
الشعب المصري، وخصوصا "الصعايدة"، شغوف بالغناء والموسيقى والسعادة والحزن والاحتفال منذ عهود الفراعنة، بل يتطور الأمر ويتغير مع مرور السنوات، وتختلف طريقة التعبير من زمن إلى آخر، وقد جعل المصريون لكل مناسبة أغنياتها وأشعارها، فهناك الأغنيات الخاصة بالأفراح. وبالمناسبة الأفراح، بالنسبة للصعيد مواسم تقترن بالأعياد وأغنيات الشهر الكريم وغيرها. وللشخصية المصرية علاقة خاصة بالغناء، عبرت عنها الباحثة المصرية، أمل مصطفى إبراهيم، في كتابها "الغناء البلدي في مصر"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، إذ كتبت "الأغاني الشعبية تفصح عن شخصية مصر، وتعبر عن خصائص شعبها وعاداته وتقاليده وحتى وجدانه".
ويحظى موسم الحج بارتباط خاص مع تلك الطبيعة الصعيدية وتتنوع الأغاني والأهازيج المرتبطة بموسم الحج في الصعيد بين ما يتم ترديده عند سفر الحجاج وأخرى عند عودتهم من الأراضي الحجازية بعد أداء مناسك الحج. ومنها "حاجة حاجة يام شال قطيفة"، والتي منها: "رايحة فين يا حاجة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة/ رايحة فين ياحاجة بشالك الرمادي.. رايحة أزور النبي محمد وأبلغ مرادي/ رايحة فين ياحاجة وشاقة البحور.. رايحة أزور النبي محمد وأزمزم شعوري/ رايحة فين ياحاجة يام شال سماوي.. رايحة أزور النبي محمد وأرجع علي القناوي..".
نحن اليوم، أمام سؤال: هل ستحافظ الأجيال الجديدة في الصعيد على هذا التراث الجميل من واقع الحال؟ بعد عقود قليلة جداً، سنفتقد تلك الكلمات وستغيب طريقة الغناء تلك، والتي لا يفهم منها سوى بعض الكلمات.
تعليق: