مفهوم "الرد" في أدبيات إيران

28 اغسطس 2019
الصورة
ما كانت تصفه إيران بالمستحيل، قبل أسابيع قليلة، بات اليوم في حكم الممكن، بعد أن أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في نهاية قمة السبع الكبار، إن الطريق باتت ممهدة لعقد لقاء قمة أميركي - إيراني. وجاءت "الغارة" الدبلوماسية التي شنّها وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، على مكان انعقاد القمة في بياريتز الفرنسية، لتزيد من احتمال حصول اختراقٍ في جهود الوساطة التي تولتها فرنسا بين واشنطن وطهران، منذ ارتفاع منسوب التوتر بينهما في مايو/ أيار الماضي. إذا تم لقاء القمة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، كما راج، تكون الولايات المتحدة قد نجحت في جرّ إيران إلى طاولة المفاوضات، من دون رفع العقوبات عنها، على الرغم من أن الاحتمال كبير أن يسمح ترامب للأوروبيين استئناف معاملاتهم التجارية مع طهران، لتسهيل مهمة الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته ظريف في تسويق القمة للداخل الإيراني.
مع ذلك، إذا تخلى محافظو طهران عن رفضهم الفكرة، وانعقدت القمة، سوف نكون، على الأرجح، أمام سيناريو شبيه بسيناريو التفاوض مع كوريا الشمالية، أي قمة (أو أكثر) خالية من المضمون يتخللها التقاط صور كثيرة، لانعدام فرص التوصل إلى اتفاق، فعلى المقلب الإيراني، لا يبدو الرئيس روحاني في موقعٍ يمكّنه من تقديم أي تنازلاتٍ في القضايا الرئيسة التي ينشدها الأميركيون لإبرام اتفاق جديد (البرنامج النووي، البرنامج الصاروخي، وسياسات إيران الخارجية). فهذه مسائل يقرّرها المرشد، ويقبض عليها الحرس الثوري الذي بات يتحكّم بسياسة إيران الخارجية والأمنية، بصورة تكاد تكون تامة، بعد فشل الاتفاق النووي، وتقهقر تيار روحاني - ظريف الداعي إلى الانفتاح على الغرب. لهذا السبب تحديدا، ولأن أصحاب القرار في طهران لا ينوون تقديم تنازلاتٍ، الأرجح أن تقوم استراتيجيتهم على شراء الوقت حتى الانتخابات الأميركية العام المقبل، والحصول على تخفيف جزئي للعقوبات، في مقابل إرسال روحاني لالتقاط صور مع ترامب.
لا يبدو أن لدى الرئيس الأميركي، ترامب، وفي ضوء تجربته مع كوريا الشمالية، أوهاما بشأن التوصل إلى اتفاق سريع مع إيران، ولذلك يقتصر همّه في هذه المرحلة على إجراء لقاء قمة إعلامي (يتمنّى فيه لروحاني وبلاده مزيدا من التقدم والازدهار) لتوظيفه في حملته الانتخابية. وفي المقابل، تستمر العقوبات الأميركية، كما الحال مع كوريا الشمالية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في سلوك إيران، يواكب التغيير الشكلي المتمثل في الموافقة على عقد لقاء قمة علني مع ترامب.
في الأثناء، وعلى الرغم من أن إسرائيل تسعى، بوضوح، إلى تخريب أي محاولاتٍ للتقارب بين واشنطن وطهران، فإن ترامب يستخدم إسرائيل أيضا أداة ضغط للتضييق على إيران، ودفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية. الاعتداءات التي شنتها إسرائيل أخيرا، وطاولت أهدافا إيرانية (حليفة) في ثلاث دول عربية، تفاخر إيران في السيطرة على قرارها (العراق وسورية ولبنان) لاقت دعما كبيرا من إدارة ترامب.
واقع الحال أن إيران تواجه ضغوطا اقتصادية، وسياسية، وعسكرية غير مسبوقة، ويتم استهداف نفوذها بصورةٍ تكاد تكون يومية على امتداد المنطقة، فيما باتت حدود قدرتها على الرد مكشوفة. وقد لوحظ أن حرية الملاحة في الخليج تكاد تكون طبيعية، منذ أوشكت إيران الدخول في مواجهة مع واشنطن، بعد إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية في العشرين من شهر يونيو/ حزيران الماضي. ويبدو أن الإيرانيين أدركوا أن عرقلة الملاحة في الخليج عالية التكلفة قليلة المردود، كما أنها تسهل مهمة واشنطن في إنشاء تحالف دولي، يشدد الخناق عليهم في الخليج. فوق ذلك، لم تسفر محاولاتهم رفع أسعار النفط عن نتائج، بعد أن تجاهلت الأسواق كل التوترات الجيو -استراتيجية في المنطقة. الأهم من ذلك كله أن إيران بدت كأنها تتملص من إمكانية الرد على الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، إذ نفت تعرّض أهداف لها للاعتداء من إسرائيل "لأن الأخيرة لا تجرؤ أصلا على ذلك"! بناء عليه، طالب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، محسن رضائي، "قوى المقاومة" في سورية والعراق بالرد، في وقتٍ أُوفد ظريف إلى بياريتز للتفاوض على شروط عقد لقاء القمة بين روحاني وترامب!