مغالطات بشأن التعديل الحكومي في تونس

26 نوفمبر 2018
الصورة
بعد شهور من التردّد، وطول الانتظار، والتخمين والترقّب، قرّر رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، إجراء تعديل موسّع على فريقه الحكومي شمل 18 خطّة (13 وزيرا و5 كتّاب دولة)، فوضع بذلك حدّا لشائعات روّجت إمكان إقالته أو استقالته. واستخدم الرّجل صلاحياته في إحداث التغيير المذكور، وسدّ الشغور الحاصل في بعض المرافق الوزارية. وأخبر ذلك باستمراره في إدارة الشأن الحكومي إلى حدود انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية على الأقلّ. والملاحظ أنّ التحوير (التعديل) الوزاري المستجدّ واكبته مغالطات صادرة عن خصوم الحكومة حينا، وعن أنصارها حينا آخر. مغالطات ركبها بعضهم لشرعنة التغيير الحكومي، وأخرى اصطنعها غيرهم للطعن فيه. ويُمكن إجمال تلك المغالطات في أربع: الأولى، تتعلّق بمدى دستوريّة التعديل الوزاري، والثانية تتّصل بالهويّة السياسية للحكومة الجديدة، والثالثة تتعلّق بمقياس إبقاء بعض الوزراء وإعفاء آخرين، ومدار المغالطة الرّابعة قول بعضهم إنّ الحكومة الجديدة حكومة إصلاحات عميقة.
ما إن أعلن يوسف الشاهد مبادرته بإجراء التعديل الحكومي، حتّى انطلقت حملة سياسية/ إعلاميّة مضادّة للتشكيك في شرعيّة القرار الذي اتّخذه الرّجل. وفي هذا السياق، جرى ترويج مغالطة مفادها بأنّ التغيير الحكومي الجزئي غير دستوري. وذهب قادة من الصف الأوّل في حركة نداء تونس إلى أنّ قرار الشاهد أحادي، بل انقلاب ناعم على الدستور، وعلى إرادة الناخبين، ويتعارض مع تقاليد التداول التشاوري على السلطة. وتعلّلوا في ذلك بأنّ رئيس
الحكومة لم يستشر رئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي، في هذا الشأن. والحقيقة أنّ هذا الموقف لا يسلم لأصحابه، لأنّ الفصل 89 من الدستور التونسي الجديد يمنح رئيس الحكومة صلاحيات "إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكُتّاب الدولة، وله ضبط اختصاصاتها وصلاحياتها.. كما من حقّه إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البتّ في استقالته". وحصر المشرّع التونسي التشاور مع رئيس الجمهورية، في حال تغيير وزيري الدفاع والخارجية (وزارتان لم يشملهما التعديل الحالي). ومن ثمّة، المتن الدستوري واضح في اعتبار التعديل الوزاري ومتعلّقاته من مشمولات رئيس الحكومة. والتلبيس على الرأي العام في هذا الخصوص صادرٌ عن شقّ من حزب نداء تونس، دخل في قطيعةٍ مع الشاهد، وطالب برحيل حكومته جملة وتفصيلا، لنقده هيمنة نجل رئيس الجمهورية على مفاصل الحزب، واستئثاره بالسلطة والقرار داخل هياكله.
وبالتوازي مع هذه المغالطة، ظهرت أخرى إبّان الإعلان عن التعديل الحكومي مفادها بأنّ "الحكومة الجديدة نهضوية بامتياز". والواقع أنّ لغة الأرقام تُخبر بتهافت هذا الزّعم، ذلك أنّ تمثيلية حركة النهضة (ذات مرجعية إسلامية) في التركيبة الوزارية الجديدة لم تتجاوز حدود أربعة وزراء من مجموع 28 وزيرا، فيما استأثر حزب نداء تونس (ليبرالي) بتسع حقائب، وتولّت حركة مشروع تونس (ليبرالية) وزارتين، واحتفظ حزب المسار (يساري) بوزارة الفلاحة، وتمّ إسناد حقيبة الوظيفة العمومية إلى حزب المبادرة (منبثق عن التجمّع الدستوري، المنحلّ). وبناء عليه، التركيبة الحكومية الجديدة موسومة بالتنوّع، ولا ترتهن إلى هويّة حزبيّة أحاديّة، بل تجمع طيّها ليبراليين وإسلاميين ويساريين ومستقلّين. وواضحٌ أنّ التحوير الوزاري نجح في استقطاب أحزاب جديدة (المشروع والمبادرة) على نحوٍ خفّف من وتيرة التنافر الأيديولوجي بين الإسلاميين وفرقائهم. وعبّر ذلك عن تعدّدية الاجتماع السياسي التونسي من ناحية، وعزّز من متانة الحزام الحزبي الدّاعم لرئيس الحكومة من ناحية أخرى.
على الضفة المقابلة، انصرف بعض أنصار التعديل الحكومي إلى تمجيد بادرة رئيس الحكومة، وذهبوا إلى أنّ التعديل الجديد أخذ في الاعتبار الكفاءة معيارا، والخبرة أساسا، والنتائج مرجعا في انتداب الوزراء الجدد، وفي إبقاء وزير وإعفاء آخر. وعلى الرغم من أهمّية هذا المعطى، فإنّه يحتاج إلى التنسيب، ذلك أنّ بعض الوزراء تمّ التخلّي عنهم على الرغم من كفاءتهم وحُسن أدائهم (وزيرا التشغيل والصحّة مثلا...). في حين تمّ الإبقاء على آخرين، على الرغم من تواضع مردودهم، ومحدودية جهدهم الإصلاحي، وتعثّر علاقتهم بالطرف النقابي (وزراء التربية والمالية والفلاحة..). يُضاف إلى ذلك أنّ بعض الذين تمّ توزيرهم حديثا ليسوا على درجةٍ عاليةٍ من التحصيل العلمي، وليست لديهم خبرة كبيرة في إدارة الشأن الحكومي (مثال: وزير السياحة، كاتبة الدولة للبيئة..). وبناء عليه، فإنّ قرار التوزير من عدمه بدا محكوما، في بعض الأحيان، بهاجس المحاصصة الحزبية أو الجهوية أو بهاجس استقراب أقلّية دينية ما، ولو على حساب شرطَي الكفاءة العلمية والخبرة العملية.
ويبالغ بعض أنصار التعديل الوزاري في اعتبارهم الحكومة الجديدة حكومة إصلاحات عميقة، موكول إليها تحقيق الاستقرار السياسي وتأمين الانتقال الاقتصادي، ذلك أنّ بلوغ هذين المطلبين معا أمرٌ عزيز، على الأقلّ في المدى المنظور. والمرجّح أنّ التركيبة الحكومية قادرة على تأمين سيرورة التجربة الديمقراطية، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات 2019، لكنّها ليست في مأمنٍ من التجاذبات السياسية التي قد تؤثّر سلبا على العمل الحكومي، وتُعطّل
استكمال الهيئات المدنية وتشكيل المحكمة الدستورية، خصوصا في ظلّ انضمام شقّ من "نداء تونس" إلى معسكر المعارضة. ومن الناحية الاقتصادية، يُدرك التونسيون جيّدا أنّ تعاقب الحكومات لا يعني بالضرورة تحقيق التعافي الاقتصادي، خصوصا في ظلّ المدى الزمني القصير المتاح لهذه الحكومة، وفي ظلّ ارتهان البلاد للصناديق الدولية المانحة، وتزايد المطلبيّة ومحدوديّة الإنتاج بالتوازي مع ارتفاع الأسعار ونِسب التضخّم والمديونيّة، وغياب استراتيجية تنمويّة ناجعة، تخرج بتونس من حقبة الاقتصاد الاستهلاكي/ الرّيعي إلى عصر الاقتصاد الإنتاجي/ الشبكي، المتطوّر.
يُمكن القول، ختامًا، إنّ التعديل الوزاري الذي أقدم عليه الشاهد حرّر سلطة اتّخاذ القرار في مؤسّسة رئاسة الحكومة من هيمنة القصر الرّئاسي في قرطاج، ووضع حدّا لشبح عودة الحكم الرّئاسوي/ الفردي، ورسم الحدود الفاصلة والخيوط الواصلة بين مؤسّستي الرّئاسة والحكومة، وضبط صلاحيات كلّ منهما بالاستناد إلى الدستور. كما أشرك التعديل الوزاري تونسيين ينتمون إلى خلفيّاتٍ أيديولوجيةٍ متباينةٍ في إدارة مؤسّسة الحكم، تكريسا لمطلب التعدّدية والتوافق. وبعث برسائل طمأنة إلى الدّاخل والخارج. والمؤكّد أنّ اعتبار التنوّع واحترام الدستور ضمانة أساسية لاستمرار مشروع الدّمقرطة في تونس الجديدة.