مصر ومغامرات حفتر

مصر ومغامرات حفتر

17 ابريل 2019
الصورة
+ الخط -
تشهد الساحة الليبية تطوّرات متلاحقة، على خلفية المواجهات العسكرية المحتدمة، منذ إعلان الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، قائد الجيش الذي يسيطر على الشرق، فجر الرابع من إبريل/ نيسان الجاري، عملية عسكرية أطلق عليها اسم "بركان الغضب"، للقضاء على ما وصفه بـ "الإرهاب" في العاصمة طرابلس التي توجد فيها حكومة الوفاق المُعترَف بها دولياً، برئاسة فائز السراج الذي دعا قوّاته للتصدّي لهجوم قوّات حفتر، مُتّهماً إيّاه بالانقلاب على اتفاق الصخيرات الموقّع في العام 2015.
دعا مجلس الأمن الدولي قوّات حفتر إلى وقف هجومه على طرابلس، مُحذِّراً من أن هذا الهجوم يُعرّض الاستقرار في ليبيا للخطر. وكان من المُقرّر أن يلتقي فرقاء الأزمة الليبية، بمختلف الفصائل، في مؤتمر في مدينة غدامس برعاية الأمم المتحدة الأسبوع الجاري، بيْد أن حفتر، بخطوةٍ استباقيةٍ، تمثّلت في حملته العسكرية، قطع الطريق على انعقاد المؤتمر الذي أعلنت الأمم المتحدة إرجاءه إلى أجل غير مسمّى، وهو ما يضع المسار السياسي للأزمة في مهبّ الريح.
تحظى الأزمة الليبية باهتمام دولي كبير لعدّة اعتبارات، أهمّها أن احتياطي النفط الليبي المؤكّد تاسع أكبر احتياطي نفطي في العالم. وبالنسبة لمصر، تحتلّ ليبيا أهمية خاصة بالنسبة لها، 
لاعتبارات جيواستراتيجية، فهي تقع في المجال الحيوي لأمنها القومي، كونها جارتها الغربية، إذ تمتدّ الحدود المصرية مع ليبيا بطول نحو 1200 كيلو متر، وهي مساحةٌ شاسعةٌ مترامية، يصعب تأمينها بشكل كامل، حيث شهدت الفترة التي أعقبت سقوط نظام معمّر القذّافي عمليات تهريب واسعة لمختلف البضائع، أخطرها الأسلحة والذخائر، باتجاه مصر، بالإضافة إلى أن حالة عدم الاستقرار الذي تشهدها ليبيا منذ سنوات جعلت منها بيئة خصبة لنمو الجماعات الإرهابية المُتطرّفة التي تمكّنت بعض عناصرها من التسلّل إلى الداخل المصري عبر الحدود الليبية، أو القيام بعملياتٍ إرهابيةٍ ضدّ مواطنين مصريين، كان أبرزها ذبح 21 مصرياً على يد مجرمي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في فبراير/ شباط 2015. وعليه، فإنّ مصلحة مصر المؤكّدة تكمن، في المقام الأوّل، في إيجاد حالة من الاستقرار والهدوء تشمل كلّ الأراضي الليبية، وهو ما يصبّ مباشرةً في صالح مصر، والعكس صحيح.
فور انطلاق حملة حفتر، تعالت أصوات في الفضاء الإعلامي المصري مطالبة بضرورة دعمه، وصفته بالخيار الأفضل، والرجل القوي القادر على استعادة الأمن، وتأمين الحدود مع ليبيا، ومنع علميات التهريب والتسلّل، وهو قول يحتاج إلى تدقيق.
يكمن مصدر التهديد الرئيسي للأمن القومي المصري من جهة ليبيا، في "داعش" وبقيّة التنظيمات التكفيرية المُتطرّفة، وحفتر بالتحديد لم يخض أي مواجهة عسكرية ذات قيمة ضدّ مسلحي هذا التنظيم الإرهابي، وإنّما كانت مواجهاته مع خصومه الذين تصدوا لـ"داعش"، حيث تمكّنت قوّات 17 فبراير، المدعومة من حكومة الوفاق الوطني من تطهير درنة ثمّ مصراتة من الوجود الداعشي في مايو/ أيار 2016، كما تمكّنت تلك القوّات بعد ذلك بنحو شهر (على الرغم من قلّة الدعم الدولي لها، مقارنة بالدعم الكبير الذي يحظى به حفتر) من اقتحام مدينة سرت معقل "داعش" الرئيسي، وتطهيرها من الوجود الداعشي، في معركةٍ طاحنة، لم تحظَ بالتغطية الإعلامية التي تتناسب مع أهميتها.
المشكلة الكبرى هنا أن الأزمة السياسية المصرية المُستحكِمَة داخلياً تُلقي بظلالها الكثيفة على 
الرؤى الدبلوماسية والاستراتيجية لمصر خارجياً، بشكلٍ يجعل بوصلتها تنحرف عن مسارها، وهو ما يجعل من مصر طرفاً في أزماتٍ من الممكن تفاديها، عبر التحلّي بقدر من سعة الأفق وإمعان النظر في مآلات الأمور، فمشكلة الدولة المصرية مع جماعة الإخوان المسلمين في الداخل تجعل مصر أحياناً ترى في الفروع والامتدادات الإخوانية في المجال الحيوي لمصر مصدر تهديد، وهو ما يدفع مصر، بصورة تلقائية، إلى الاصطفاف والتمركز مع الطرف المناوئ للإخوان، من دون تبصّر بالعواقب المترتبة على هذه الخطوة غير المدروسة التي تعني خصماً من الدور المصري في ليبيا، وتجعل الفاعلين الدوليين يرون فيه عنصر "إشعال"، لا عنصر "إطفاء" للأزمة المُشتعلة.
ليس من مصلحة مصر، على الإطلاق، أن تخرج عن وقوفها على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأطراف في الأزمة الليبية، فدعمها طرفا أو انحيازها له يعني مباشرة تحويلها إلى"طرف" في الأزمة، وخروجها عن دور "الوسيط" المُفترَض أن تلعبه بين الفرقاء، نظراً إلى حساسية موقع ليبيا في المجال الحيوي للأمن القومي المصري، فضلاً عن أن حفتر أثبت، خلال السنوات الماضية، فشلاً ذريعاً، وأنّه جزء من المشكلة لا من الحلّ.
بدا واضحاً أن حفتر شرع في حملته العسكرية بقدر من الاندفاع الكبير، و بمنطق المباراة الصفرية التي تعني إمّا أن يكسب صاحبها كلّ شيء وينتصر، بفرض أمر واقع على الجميع، بمنطق القوّة وحدها، أو أن يخسر كلّ شيء، وينتهي تماماً، فالرجل لم يبدِ اكتراثاً يُذكَر بالأمم المتحدة أو القوى الدولية الكبرى الداعمة لخيار الحلّ السياسي، إلى درجة أنّه بدأ الزحف نحو طرابلس، والأمين العام للأمم المتحدة موجود فيها، وهو ما يسبغ وصف المغامرة المتهوّرة على حملته التي يبدو جلياً أنّها جاءت بإيعازٍ من القوى الإقليمية الداعمة له تمويلاً، وتسليحاً، وتحديدا محور أبو ظبي – الرياض الذي لا يعنيه كثيراً تحقيق الاستقرار في ليبيا، بقدر ما يعنيه تنفيذ أهداف ذاتية، ومصالح خاصة شديدة الضيق، تختلف تماماً عن المصالح المصرية في ليبيا، البلد الذي يمثّل عُمقاً سياسياً وأمنياً بالغ الأهمية بالنسبة لمصر، والتعامل معه بالرهان على خيارات خاسرة، أو بالدوران في فلك سياسات رعناء مُتخبّطة، أمر له عواقب وخيمة، وأثمان باهظة، تدفعها مصر وحدها.