مثلث ماسبيرو... مصريون في الطرقات بعد هدم منازلهم

مثلث ماسبيرو... مصريون في الطرقات بعد هدم منازلهم

30 ابريل 2018
الصورة
بين ركام منازلهم (العربي الجديد)
+ الخط -

أهالي مثلث ماسبيرو الذين وجدوا أنفسهم في الأيام الأخيرة في الشارع، ليسوا المصريين الوحيدين الذين تُهدَم بيوتهم فيجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها مطرودين من منطقة عاشوا فيها لسنوات طويلة وحفظت ذكرياتهم. اليوم يفترش هؤلاء الطرقات.

حياة لا تليق بالبشر يعيشها مئات من سكان مثلث ماسبيرو في كورنيش النيل بمحافظة القاهرة، وذلك بعد قرار الحكومة المصرية القاضي بهدم تلك المنطقة بالتعاون مع وزارة الإسكان، على أن تنتهي تسويتها مع نهاية شهر إبريل/ نيسان الجاري. وفي حين كانت "لودرات" المحافظة ومركباتها تنفّذ عمليات الهدم، كانت محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة تنظر في دعوى مقامة من عدد من سكان المنطقة لإلغاء قرار محافظ القاهرة القاضي بإزالة منازلهم.

ومنطقة مثلث ماسبيرو هي منطقة مأهولة تبلغ مساحتها 72 فداناً، يعيش السكان على مساحة 49 فداناً منها، في حين أنّ المساحة المتبقية هي مصالح حكومية. وتأتي المنطقة على شكل مثلث، محصورة بين شارع الجلاء وكورنيش النيل وشارع 26 يوليو، وتعدّ الأغلى ثمناً نظراً إلى موقعها الجغرافي المميّز في حين تحيط بها مبان مهمة، مثل مبنى وزارة الخارجية ومبنى الإذاعة والتلفزيون والقنصلية الإيطالية وعدد من الفنادق. يُذكر أنّ الأهالي يعيشون فيها منذ سنوات طويلة، وبعضهم ورث مسكنه أباً عن جدّ، في حين أنّ سكان المنطقة بمعظمهم يعملون في ورش ويمتهنون حرفاً تقليدية مختلفة. وعلى الرغم من أنّ مساكن الأهالي قديمة وأنّ الخدمات المتوفرة فيها قليلة، إلا أنّ الحكومة المصرية تستكثر عليهم العيش في تلك المنطقة.



في السياق، تبخّرت وعود الحكومة للأهالي بتعويضات مالية أو بشقق بديلة في مناطق 6 أكتوبر في الجيزة أو مدينة النهضة وحيّ الأسمرات ومدينة بدر في القاهرة. وباتت الأسر مشرّدة بعد هدم منازلها، إذ إنّ أكثر من 70 في المائة منها لم تحصل على التعويض والنسبة نفسها لم تحصل على مأوى، الأمر الذي جعل كثيرين عرضة للإساءات في الشارع، لا سيّما الفتيات والنساء اللواتي يتعرّضنَ للتحرش من ذئاب الشوارع. كذلك فإنّ عشرات التلاميذ والطلاب من كل المراحل التعليمية حُرموا من تأدية امتحانات نهاية العام.

وقد عمدت الحكومة إلى منح تعويضات مالية لعدد من "رموز المنطقة"، حتى يشيدوا بقرارات الحكومة التي قضت بهدم المنطقة. أمّا "الغلابة"، فقد تُركوا في مهب الريح بلا أيّ تعويضات أو مساكن، على الرغم من أنّ محافظ القاهرة المهندس عاطف عبد الحميد وعدهم في أكثر من مرّة بحلّ مشكلاتهم ونقلهم إلى مساكن جديدة. لكنّ الأزمة راحت تتصاعد بعد نقل عدد من الأهالي إلى مساكنهم الجديدة، ليفاجَأوا بأنّه يُصار إلى إسكان كلّ أسرتَين في شقة واحدة من دون مراعاة للخصوصية، وهو ما أدّى إلى غضب الأهالي. يُذكر أنّ كثيرين لم تُصرف تعويضاتهم بحجة عدم وجود أموال، في حين تسلّمت 200 أسرة شيكات تختلف قيمتها بين 100 ألف جنيه (نحو خمسة آلاف و500 دولار أميركي)، أو 160 ألفاً (نحو تسعة آلاف دولار)، أو 220 ألفاً (نحو 12 ألفاً و500 دولار)، بحسب عدد الغرف.

يُذكر أنّ خطط الحكومة الرئيسية في تلك المنطقة، تقضي بإنشاء فنادق خمس نجوم وحيّ سكني راقٍ إلى جانب مساحات خاصة للأنشطة السياحية والترفيهية بما فيها أندية رياضية. وتتسابق الشركات السعودية والإماراتية للفوز باستثمارات في تلك المنطقة، كذلك يفعل رجال أعمال عرب ومصريون.



من جهة أخرى، تسببت عمليات الهدم في تلوّث الهواء في حيّ بولاق نتيجة تصاعد الأتربة، وقد أصيب عشرات من الأطفال والنساء والرجال بأمراض صدرية. كذلك اشتكى التجار في المنطقة من الأتربة التي تكدّست بكثافة، وعمد عدد منهم إلى إغلاق محلاته، خصوصاً تجار الأغذية والملابس. أتى ذلك في حين هُدمت المنازل بلا رحمة، على الرغم من وجود متعلقات شخصية في داخلها، بينما كانت الكهرباء والمياه قد قطعتا منذ مارس/ آذار الماضي استعداداً لعملية الهدم.

ويشتكي أهالي منطقة مثلث ماسبيرو من سوء أوضاعهم، فتقول فاطمة محمد، وهي ربّة منزل، إنّها تعيش "ظروفاً مأساوية مع بناتي الثلاث، فلا مأوى ولا تعويض من قبل الحكومة. ونحن كنّا نعيش في المنزل الذي ورثته عن والدي الذي ورثه بدوره عن والده". من جهتها، تخبر أمال سعيد، وهي ربّة منزل، أنّ "الحيّ أبلغني بأنّه لا يحق لي الحصول على شقة". تضيف باكية: "لديّ ثلاثة أولاد في مراحل تعليمية مختلفة، أروح بهم فين؟ فأنا وُلدت وتزوّجت هنا وهَترمي في الشارع أنا وعيالي". أمّا أحمد رضوان، وهو صاحب ورشة، فيقول إنّ "الرشاوى انتشرت. من يملك المال يحصل على تعويض أو سكن". يضيف: "منذ 31 عاماً أعيش هنا في المنطقة، وقسيمة زواجي وكلّ أوراقي مسجّلة هنا في المنطقة، وفي النهاية سوف يرمونني ويطردونني".

إلى هؤلاء، تقول هالة، وقد تحفّظت على ذكر اسم عائلتها، إنّ "لدينا متعلقات كثيرة في المنزل الذي كنّا نعيش فيه، وقد هُدم على ما فيه". تجدر الإشارة إلى أنّ جداراً انهار بالقرب من هالة، فأصيبت من جرّاء ذلك. أمّا محمد عبد الله، فيؤكد أنّ "الكارثة هي في إسكان عدد من الأسر في شقة واحدة مع حمام واحد ومطبخ واحد من دون مراعاة لحرمة الأشخاص والنساء". ويسأل: "ده يرضي مين وأيّ نظام؟".




في السياق، يقول المحامي محمد عبد العزيز، وهو وكيل عدد من الأهالي، إنّ "ما حدث لأهالي مثلث ماسبيرو لا يرضي أحداً، فثمّة تشريد وتدمير للمساكن من دون أيّ تعويضات. وما يحدث في وسائل الإعلام هو شُو (استعراض) إعلامي، لكن لا يوجد شيء على أرض الواقع". ويشرح أنّ "أكثر من 70 في المائة من السكان تشرّدوا، في حين أنّ قيمة المنطقة تتعدى عشرة مليارات جنيه (أكثر من 550 مليون دولار)، وما يُحكى عن تعويضات للأهالي يصل إلى 600 مليون جنيه (نحو 34 مليون دولار) فقط".

ويلفت عبد العزيز إلى أنّ "منطقة مثلث ماسبيرو مميزة جداً من جهة موقعها، إذ تطل على النيل وحولها مجموعة كبيرة من الفنادق، الأمر الذي يزيد من قيمتها الاستثمارية ويرفع أسعار الأراضي". يضيف أنّ "الدولة لم تضع شروطاً لنوعية الاستثمار أو شكل المباني في المنطقة بعد التطوير، وتركت المسألة مفتوحة لرغبة المستثمرين".

دلالات