ما بعد التطبيع الإماراتي والبحريني

16 سبتمبر 2020
الصورة

اعتقدتُ واهما، بعد انتهاء زيارتي مستشار الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنر، ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى المنطقة، أننا لن نشهد إعلانا تطبيعيا جديدا سريعا. غير أنه بعد إعلان الرئيس ترامب عن اتفاق البحرين والدولة الصهيونية على تطبيع العلاقات، يوم 11 سبتمبر/ أيلول الجاري، أصبح من الجلي أن القرار الأميركي واضح وحاسم في هذا الخصوص، ولا يدع مجالا للأنظمة التابعة له بأي مناورة سياسية قد تؤخر الإعلان ولو أسابيع قليلة. لذا وبغض النظر عن الأسباب الأميركية، أو بالأصح الترامبية الكامنة خلف هذا الاستعجال، لا بد من مراجعة كل ما حدث ويحدث، بهدف الحد من تبعات هذه المرحلة الصعبة، والبناء لمرحلة جديدة مغايرة في أقرب وقت ممكن.

من ناحية أولى، لا بد من الإقرار بأن الإعلانين الإماراتي والبحريني ضربة موجعة وقاسية لجميع القوى الحرّة، فلسطينيا وعربيا وعالميا، لذا لا طائل من التقليل من تداعياتهما، ولو على الصعيدين السياسي والمعنوي، فعلى الرغم من علمنا جميعا بحقيقة تطبيع هذه الدول وغيرها، إلا أن تحوّل هذا التطبيع، بل التحالف، من السر إلى العلن، ذو معان كبيرة وخطيرة على المستويين النفسي والسياسي، فهو تحالفٌ بين قوى رجعية وعنصرية واستبدادية لا تدع مناسبة لمواجهة القوى التحررية والتقدمية الشعبية وقمعها. كما يشكل هذا التحالف محاولةً رجعية استبدادية جديدة لتغيير أولويات الشعوب النضالية، من النضال من أجل استعادة حقوقها المسلوبة، نحو صراعاتٍ جانبيةٍ ذات واجهة طائفية غالبا، لا طائل للشعوب منها، بل على العكس سوف تعود نتائجها على الشعوب بمزيدٍ من الكوارث والمصائب.

يمثل إعلان التطبيع انتصاراً مهماً للسياسية الصهيونية الخارجية في فرض معادلة السلام من أجل السلام، و

ومن ناحية ثانية، يقوض هذا الإعلان من قدرة الشعوب العربية على دعم نضال الشعب الفلسطيني تحديداً، داخل الدول المطبعة وخارجها، إذ سوف تتحول غالبية الجهود الشعبية العربية الحرّة في هذه الدول من نصرة النضال الفلسطيني إلى الحد من تبعات التطبيع الرسمي ونتائجه داخليا. كما سوف تتقلص الساحات الإعلامية والثقافية القادرة على حمل راية الحق الفلسطيني في جميع المؤسسات الإعلامية المدعومة من هذه الدول. بل سوف نشهد مزيدا من القيود والملاحقات الأمنية بحق ناشطين عرب يدافعون عن الحق الفلسطيني في أي قطر عربي، ولا سيما في الدول التي تربطها علاقات مصلحية مالية مع الدول المطبعة، كتوقيف رسام الكاريكاتير الأردني عماد حجاج في بلده.

النضال من أجل الحرية والحقوق هو نضال أجيال، لا يملك جيلٌ منها الحق أو القدرة على كبح حق الأجيال اللاحقة في النضال

كما يمثل إعلان التطبيع انتصاراً مهماً للسياسية الصهيونية الخارجية في فرض معادلة السلام من أجل السلام، ونجاحاً في فرض الدولة الصهيونية قوة إقليمية حاسمة في توازنات المنطقة وتحالفاتها ومحاورها. وبالتالي، ما قبل إعلان التطبيع مختلف تماماً عما بعده، بغض النظر عن توقيت بداية التطبيع السرّي. وعليه، لا بد من نقاش تبعات الإعلان بصورة جدية ودقيقة، كما لا بد من البحث عن وسائل ناجعة للحد من تأثيراته، وربما محاصرته لاحقا، استنادا إلى ثلاثة عوامل رئيسية على هذا المستوى.

يتمثل الأول في شبه استحالة تلمّس الشعوب أي نتائج إيجابية من هذا التطبيع داخل الدول المطبعة وخارجها، استنادا إلى تجارب عربية تطبيعية سابقة في الأردن ومصر، بل كانت لها تبعات سلبية عديدة، على الرغم من مئات الكلمات التي كانت تصف النعيم الذي سوف يعكسه اتفاق السلام على شعبي البلدين، ولا سيما في ظل محدودية قدراتهم الاقتصادية، أو بالأصح محدودية ثرواتهما الطبيعية، مقارنة بثروات الدول الخليجية. لذا يبدو من شبه المستحيل أن تلمس شعوب الدول الخليجية المطبّعة أي تغير إيجابي على هذا الصعيد في المرحلة المقبلة. بل على العكس قد تظهر نتائج التطبيع السلبية سريعا على شعوب الدول المطبعة، ما يوسّع من القاعدة الشعبية الرافضة له.

العامل الثاني هو ثانوية تأثير اتفاقيات السلام العربية على مستقبل الصراع مع الصهيونية. طبعا سوف تفرض اتفاقيات السلام مزيدا من الصعوبات على القوى الراغبة في مواجهة الصهيونية، لكنها لن تتمكّن من إنهاء الصراع، حتى لو التحقت مجمل الدول العربية بركاب المطبعين، فالقضية، في بعدها الأهم، قضية شعبٍ مظلوم طرد وهجر واحتلت أرضه، ولن تنتهي إلا باستعادة هذه الحقوق، أو باستسلام الشعب، كامل الشعب، بل واستسلام الأجيال القادمة منه، فالنضال من أجل الحرية والحقوق هو نضال أجيال، لا يملك جيلٌ منها الحق أو القدرة على كبح حق الأجيال اللاحقة في النضال، لذا هو صراع قابل للانفجار والتجدّد دائماً وأبداً، ما دام الظلم قائماً، فكيف إذا عبر معظم الفلسطينيين عن تمسّكهم بحقوقهم الكاملة، وعن استعدادهم للتضحية من أجل استعادتها، على الرغم من كل الظروف القاهرة التي تحاصرهم وتخنقهم داخل فلسطين وخارجها.

سوف تفرض اتفاقيات السلام مزيداً من الصعوبات على القوى الراغبة في مواجهة الصهيونية، لكنها لن تتمكّن من إنهاء الصراع

والعامل الثالث هو توسع القاعدة الاجتماعية الفلسطينية، وتلك الداعمة للحق الفلسطيني خارج حدود منطقتنا الإقليمية العربية، وهو تغير ذو انعكاسين، سلبي وإيجابي، غير أن انعكاسه الإيجابي اليوم أكثر أهميةً، نظراً إلى هيمنة القوى المطبعة والمتاجرة بالحق الفلسطيني على غالبية المشهد العربي، فكلاهما يرفض بل ويقوّض مظاهر النضال الشعبي الهادف إلى استعادة الحقوق المستلبة، بما فيها الحق الفلسطيني. وعليه، قد ننجح في استثمار الكتل الشعبية الداعمة لحقوق شعوب المنطقة، ومنها حقوق الفلسطينيين، عبر تفعيل النضال الفلسطيني داخل الدول المتقدّمة في كل من أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا وأميركا الجنوبية، على أكثر من صعيد، اقتصادي عبر دعم الإقتصاد الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، أي في فلسطين وفي أوساط اللاجئين الفلسطينيين، عبر إيجاد مشاريع إنتاجية وتأمين أسواق لها على المستوى العالمي، وكذلك على مستوى تطوير حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) وتنميتها. وعلى المستوى الحقوقي والإعلامي، عبر تشكيل هياكل شعبية ضاغطة على المجتمع الدولي والمنظمات الدولية لإقرار قوانين تقر بكامل الحق الفلسطيني، وتلغي جميع القوانين المجحفة بالحق الفلسطيني التي عملت سلطات الانتداب البريطاني والحكومات الأميركية لاحقا على فرضها دوليا، وصولا إلى محاسبة المسؤولين الصهيونيين ومحاصرتهم، وتقويض الحركات الداعمة لهم. وكذلك عبر تطوير جميع أشكال النضال الممكنة في هذه الدول التي يصعب حصرها جميعها الآن.

وعليه، قد ننجح في تحويل هذا التهافت الرسمي العربي نحو التطبيع إلى نقطة تحوّل مهمة على صعيد النضال الفلسطيني، وعلى صعيد تحالفاتنا الحقيقية، من تحالف مع الأنظمة الاستبدادية والرجعية إلى تحالف مع القوى الشعبية التحرّرية العربية والعالمية. فقد حان الوقت لذلك الآن، بل قد تأخرنا كثيراً في إنجازه، وها نحن ندفع ثمن هذا التأخر والخلل.