مؤتمر "إيباك" في واشنطن.. قوة فوق قوة

مؤتمر "إيباك" في واشنطن.. قوة فوق قوة

09 مارس 2018
الصورة

نتنياهو يتحدث في مؤتمر إيباك في واشنطن (6/3/2018/Getty)

+ الخط -
كما جرت العادة، تحول مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية، المعروفة اختصارا "إيباك"، والذي يعقد سنويا في واشنطن، إلى مزاد علني يتنافس فيه قادة الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في ابتذال أنفسهم ومواقفهم في دعم الدولة العبرية، وكأنهم ممثلون منتخبون لشعبها، لا ممثلون للشعب الأميركي، ومنتخبون منه. ضمت قائمة المتحدثين الطويلة هذا العام، بالإضافة إلى مسؤولين إسرائيليين، في مقدمتهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، كلا من نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ميكانول، رئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، ورئيسة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، نانسي بولوسي، وآخرين كثيرين من الحزبين، وغيرهم من الخبراء والضيوف الأجانب.
لربما كان مؤتمر "إيباك" السنوي أحد الاستثناءات القليلة التي تجمع ممثلي الحزبين في واشنطن في مكان واحد، وعلى دعم قضية واحدة، بما في ذلك القضايا الأميركية الكبرى. ومعلوم، أنه منذ الرئيس الديمقراطي، بيل كلينتون، لم يضيّع مرشح رئاسي أميركي، عن الحزبين، فرصة مخاطبة مؤتمر "إيباك" السنوي وتقديم أوراق الاعتماد له، بما في ذلك دونالد ترامب وهيلاري كلينتون عندما كانا مرشحين للرئاسة عام 2016. وكان الرئيسان السابقان، باراك أوباما، وجورج بوش الابن، قد خاطبا المؤتمر خلال رئاستيهما كذلك. ولكن الابتذال هذا العام يذهب أبعد من ذلك، حيث لم يُقَصِّرِ الديمقراطيون في المزاودة على إدارة ترامب في دعمها إسرائيل. مثلا، غمز السناتور، كريس كونز، عن ولاية دالاوير، من قناة أداء هيلي في الأمم المتحدة في دفاعها المستميت عن إسرائيل، معتبرا أنه يمكن لها أن تفعل المزيد. أما السناتور، بوب منانديز، عن ولاية نيوجرسي، فانتقد إدارة ترامب لعدم فرضها إلى حد الآن عقوبات قاسية ومباشرة على إيران.
دافع الديمقراطيين هنا، فضلا عن تملق المال اليهودي الصهيوني، وأصوات المؤيدين لإسرائيل، هو شعورهم بأنهم خسروا المنافسة مع الجمهوريين في السنوات التسع الأخيرة في سياق التودّد
 المبتذل لإسرائيل. يشعر الديمقراطيون بحسرة ومرارة أنهم لم يكونوا السباقين إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها. أيضا، كانت علاقات الرئيس الديمقراطي السابق، أوباما، مع نتنياهو مشحونة ومتوترة، وكانت إدارته هي من وقعت الاتفاق النووي مع إيران، والذي يتبرأ منه ديمقراطيون كثيرون اليوم، لأن إسرائيل ولوبيها في واشنطن يرفضانه. وينبغي التذكير هنا بأن أوباما هو نفسه الذي رفض أن يختم رئاسته إلا برفع الدعم العسكري لإسرائيل إلى 38 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، كما أن إدارته هي من مولت منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية "القبة الحديدية" وطورتها، وهي نفسها من حصنتها ضد الإدانات الدولية في عدوانيها على قطاع غزة، عامي 2012 و2014.
على أي حال، هذا هو ديدن المسؤولين الأميركيين، الحاليين والسابقين مع "إيباك"، على الأقل في العقود الثلاثة الماضية، على الرغم من أن هذه المنظمة، والتي هي أقوى أذرع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وتأسست في خمسينيات القرن الماضي، تورّطت في فضائح تجسس على الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أنها عمليا تمثل حكومة أجنبية، هي إسرائيل، وهذا يتطلب منها أن تسجل قانونيا عميلا لطرف أجنبي، لا جماعة ضغط أميركية، إلا أن أحدا لا يجرؤ على أن يحاسب هذه المنظمة المارقة التي تضع إسرائيل أولا وآخرا، وقبل كل شيء، حتى فوق أميركا نفسها.
الجديد في مؤتمر هذا العام أنه عقد في ضوء الكشف المستمر عن مدى التنسيق وعمقه، إن لم نقل التحالف، القائم بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات. 
رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى، ستيف غرينبرغ، لم يتردّد في كلمته أمام الحضور في كيل المديح للسعودية والإمارات. لم يعد الأمر مقصورا على علاقات إسرائيل العلنية مع كل من مصر والأردن، بل إنها تتعدّى ذلك إلى دول عربية أخرى لم تعلن رسميا بعد عن تلك العلاقات، وإن كنا نرى تعبيراتها القادمة من السعودية والإمارات والبحرين. ولا ينسى هنا أن الإيميلات المسربة من البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي، يوسف العتيبة، أثبتت، بما لا يدع مجالا للشك، أن ثمة تنسيقا بين الإمارات واللوبي الصهيوني في واشنطن. كما لا ننسى هنا، تصاعد الحديث، مجدّدا، عن ضغوط يمارسها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على القيادة الفلسطينية الرسمية، للقبول بـ"صفقة القرن" التي ستأتي على ما تبقى من أدنى الحقوق الفلسطينية. إذا لم يكن ذلك كله يدخل في مفهوم تقديم أوراق الاعتماد، فماذا يكون؟
باختصار، من حق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أن يفاخر بإنجازاته وقوته، ففي أميركا يقدم جلُّ المسؤولين المنتخبين ولاءهم له، واليوم، يتسابق قادة عرب كثيرون على تقديم أوراق اعتمادهم له ولإسرائيل، بدل أن يحاولوا دعم لوبي مواز يدافع عن المصالح العربية. بالمناسبة، أي عرب وأي مصالح عربية نتحدث عنها هنا؟ لعلنا بحاجة أن نعرّف من هو العربي أولا، وما إذا كان بقي ثمّة شيء اسمه "أمة عربية"، وهل ثمة فعلا مصالح جَمَعِيَّةٍ لنا؟ أمر نعرفه يقينا، أن عربا كثيرين يوظفون جماعات ضغط أميركية، بمن فيها اللوبي الصهيوني، ولكن ليس لصالح قضايانا، وإنما استهدافا لعرب آخرين. لم يكن اللوبي الصهيوني أبدا أقوى من اليوم في الولايات المتحدة، فثمة رئيس أرعن أحاط نفسه بصهاينة وإنجيليين متطرّفين واعتذاريين عن إسرائيل، كما أن ثمّة عربا يدعمونه، بل ويمولون كثيرا من أجنحته.