مأزق الدولة الوطنية

25 أكتوبر 2018
الصورة
+ الخط -
مصطلح الدّولة  الوطنيّة مصطلح حديث في الخطاب السّياسي العربي، ظهر بعد سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة وحلّ نظام الخلافة، وانتشر مع رحيل الاستعمار من البلاد العربيّة إبّان الحرب العالميّة الثانية. وتزامن ظهوره مع صعود زعماء عرب تنادوا لتأسيس دولة وطنيّة مستقلّة، وذات سيادة. دولة وعدت بترجمة الاستقلال إلى واقع فعلي، ووعدت بتأميم الثروات وتحقيق مطالب أجيال الكفاح والتّحرير، وفي مقدّمتها العدالة والكرامة، والحرّية ونشر المعرفة، وضمان أسباب الرقيّ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد أمضى العرب عقودا يحلمون بإجراء فعلي وتطبيق عملي/ شاملٍ لتلك الشعارات التي لوّحت بها دولة الاستقلال.
يُخبر الواقع أنّ أغلب الشعوب العربيّة ما زالت في شوق أكيد إلى حرّية التفكير وحرّية التعبير وحرّية الانتظام السّياسي، فكثيرا ما صادرت الأنظمة السلطويّة هذه الحرّيات عقودا، واحتكرت الفضاء العامّ، واستبدّت بمفاصل الدّولة، فهيمنت سياسات الحزب الواحد والرّجل الواحد على ما تسمّى الدّولة الوطنيّة الوليدة التي حقّقت، على الرغم من هناتها، مطالب مهمّة، من قبيل الاستقرار الأهلي والسّلم الاجتماعي، والحدّ الأدنى من الرقيّ الاقتصادي، فضلا عن إحداثها مؤسّساتٍ تعليميّة وتثقيفيّة، ساهمت في التّقليص من نسبة الأميّة، وفي تكوين عدد مهمّ من الخبراء والأكفّاء في مجالات شتّى.. فضلا عن وجود محاولاتٍ، وإن كانت معدودة، لسنّ تشريعات تدعم تحرير المرأة، وتؤسّس لصياغة دساتير تقدميّة إلى حدّ ما.
لكنّ الإشكال تمثّل تاريخيّا في قصور الدّولة الوطنيّة عن تأمين الاستقلال الحقيقي، فقد ظلّت 
مرتهنةً لقوى أجنبيّة في مستوى القرار السياسي، وظلّت، من النّاحية الاقتصاديّة، واقعة تحت تأثير البنوك الدوليّة والجهات المانحة، ولم تُحسن إدارة الثروة، والانتقال من الاقتصاد الرّيعي/ الاستهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي/ شبكي، ولم تُوفّق في صوغ مشاريع تنمويّة، ناجعة وشاملة، تنسجم مع معطيات الواقع العربي. وفي مستوى تنظيم الحياة المدنيّة، ظلّ توجيه الشّأن العامّ، ورسم معالم المشهد السّياسي عملا تستأثر به السلطة التنفيذيّة، ويندرج ضمن اختصاص الحاكم وبطانته، وعدد من أعلام حزبه الحاكم الذين لا يرون غير ما يرى، ويعتبرون التعدديّة بدعة والديمقراطيّة خدعة، والاختلاف فرقة. وهو ما أسهم في إنتاج مشهد سياسي /إعلاميّ نمطي، يغلب عليه اللّون الواحد، وتضيق فيه مساحة الفكر النّقدي، وفُرص النفاذ إلى المعلومة والوصول إلى الحقيقة. كما قلّ اعتماد الشفافيّة والمحاسبة في دولة ما بعد الاستقلال، فانتشر الفساد وكثر المفسدون، وقلّت تدابير المقاضاة وإجراءات المحاسبة. وما سُنّ من قوانين ودساتير في هذا الصّدد كان محدودا أو غامضا أو ضبابيّا على نحوٍ أمّن الإفلات من العقاب. لذلك كان استقلال القضاء، وما فتئ مطلبا ضروريّا تنشده الشعوب العربيّة لضمان العدالة ومكافحة الفساد. والثابت أنّ مؤسّساتٍ حيويّةً تَشكَّل منها كيان الدّولة الوطنيّة، من قبيل المؤسّسات الإعلاميّة والدينيّة والتعليميّة، وكذا جمعيّات أهليّة مشروعة، ظلّت عقودا مُخصّصة لترويج ديماغوجيا المنظومة الحاكمة وأيديولوجيا الحزب الحاكم، وموظّفة لاحتواء النّاس، وإقناعهم بجدوى التوجّهات الحكوميّة. لذلك تضخّم الجهاز التعبوي/ الدّعائي للدّولة الشموليّة وتشعّب، ورفدته قبضة أمنيّة/ عسكريّة، وقاعدة حزبيّة/ طائفيّة عزّزت مركزة السّلطة وأسباب الحكم الفردي. وتحوّلت المنظومة الحاكمة، على التدريج، إلى طبقة اجتماعيّة قائمة بذاتها، بينها وبين المحكومين بَوْنٌ شاسع يعتريه كثير من الرّيبة، والاحتقان، وعدم اليقين.
وبَدَل صَهْر نزعات الولاء الفرعيّة، الجهويّة والقبليّة، والطّائفيّة والحزبيّة والأيديولوجيّة، وتحويلها إلى ولاء للوطن، حافظت أنظمة سلطويّة عربية كثيرة على الانقسامات الداخليّة التي تشقّ النسيج المجتمعي، ووظّفتها لتعزيز سطوتها، فاستقربت فصيلا على حساب آخر، وكرّست هيمنة حزبٍ أو قبيلةٍ أو طائفةٍ على حساب أخرى، وجرى توزيع صكوك "الوطنية" و"التقدّمية" والعطاء الجزيل على الأطراف الموالية للمنظومة الحاكمة، في حين تمّ وصم المخالفين، وخصوصا المعارضين منهم بـ"العمالة" و"الرّجعية"، بغاية تهميشهم وشيطنتهم، وبلغ الأمر درجة حبسهم أو نفيهم أو تصفيتهم في الداخل أو الخارج، لأنّهم مارسوا حقّهم في التعبير، وعارضوا السياسات السائدة، فكرّست بذلك دولة الاستقلال منطق الزبونية، والمحسوبيّة، والمُحاباة بدل منطق النزاهة، والعدالة، والمواطنة الجامعة. ونتج عن ذلك أن 
الدولة الوطنية كسبت، في السياق العربي، مشروعيتها الواهية من دوائر الولاء الطائفي أو الجهوي أو العشائري، ومن دعم الأجهزة الأمنية والعسكريّة، وكذا من تزكية قوى إقليميّة وأجنبيّة نافذة، فبدت في الواقع دولةً خادمة لفئة من النّاس، لا دولة ممثّلة لكلّ المواطنين. وأدّت سياسات التنمية غير المتوازنة، وشيوع البيروقراطيّة، والمركزيّة، والشخصنة، والتضييق على الحرّيات العامّة والخاصّة، واستهداف الخصوم السياسيين، إلى حصول فجوة بين الحاكم والمحكوم، وتشكّل وعي احتجاجي ضدّ الدولة الشموليّة، تبلور من خلال حركات سلميّة وأخرى عُنفيّة/ متطرّفة، خرجت على الدولة القائمة، وكشفت حجم التوتّر المشهود بين الحاكم والمحكوم. توتّر أخبر بمأزق الدولة الوطنيّة، وفشلها في إدارة الاختلاف، واستباق الأزمات، وكسب ثقة المواطنين.
بعد عقود من قيام الدولة الوطنيّة، وانكشاف نواقصها وبطشها وبؤسها مع اندلاع ثورات الرّبيع العربي2011، تبدو الحاجة أكيدةً إلى بلورة مشروع نقدٍ موضوعيٍّ لإرث الدولة الوطنيّة، وتبيان منجزاتها وإيجابيّاتها، وهناتها وآليات اشتغالها، والعمل على تدارك ما نقصها من حوكمة ونزاهة، ودمقرطة ومأسسةٍ، بغاية بناء دولة مواطنيّة، عادلة/ جامعة، تستثمر جهود الجميع لإسعاد الجميع.