ليبيون في حالة نزوح مستمرة

09 اغسطس 2020
الصورة
بعض السكان عادوا إلى منازلهم رغم تضررها (حازم تركية/ الأناضول)

تغيب في الوقت الراهن قضية النازحين في طرابلس، التي كانت تحفل بها بيانات ونشرات الجهات الحكومية والإعلامية أثناء الحرب، رغم أنّها أزمة مستمرة

تستمر معاناة مئات الأسر النازحة في العاصمة الليبية طرابلس، بالرغم من أنّ أسراً أخرى عديدة تمكنت من العودة إلى منازلها، بعد توقف الحرب وانسحاب أحد طرفي النزاع بعيداً عن العاصمة. وهو ما يؤكده حسن بركان، عضو جمعية التيسير الأهلية الخيرية، الذي يشير إلى أنّ السبب في النزوح المستمر الدمار الذي طاول منازلهم من دون أيّ اهتمام رسمي، كما أنّ أغلب الملاجئ ومقار إقامة النازحين لم تعد تصلها المساعدات بل إنّ بعضها أقفل تماماً.
أقامت حكومة الوفاق عشرات المقار لإقامة النازحين من أحياء جنوبي طرابلس الذين قدّرتهم بـ130 ألف مواطن، وتولت توفير الخدمات والمساعدات الإنسانية، بينما أقدمت عشرات الأسر النازحة الأخرى على اقتحام عمارات بالعاصمة قيد الإنشاء للإقامة فيها بعد أشهر من النزوح. ويقول بركان متحدثاً لـ"العربي الجديد" إنّ أعداداً كبيرة من النازحين ما زالوا يقيمون في عمارات طريق السكة وعمارات خلف المركز الطبي وعمارات المنصورة، وكلّها عمارات غير مكتملة الإنشاء ولا تتوفر فيها سبل العيش ولا الخدمات المناسبة للإقامة. يضيف أنّ "مئات الأسر الأخرى تقيم في مناطق خارج طرابلس، وتتلقى المساعدات المالية التي تمكّنها من الاستمرار في سداد إيجارات المنازل"، مشيراً إلى أنّ بعضها يقيم في مصايف أو استراحات على البحر، أمضى فيها أشهراً خلال فصل الشتاء الماضي.

بدورها، ما زالت أم فدوى، وهي أم لطفلين من حي السيدة فاطمة بطرابلس، تقيم نازحة بعمارات طريق السكة بطرابلس، بالرغم من مغادرة أكثر سكانها النازحين إلى بيوتهم، والسبب يعود إلى خسارتها بيتها بالكامل. وتعيش ثلاث أسر أخرى معها في العمارات نفسها، للسبب نفسه.
ولا تتوفر لدى وزارة شؤون النازحين والمهجرين بحكومة الوفاق إحصاءات حول أعداد النازحين العائدين إلى منازلهم، كما لم تحسم قضيتهم بعد، بسبب طلب وزارة الداخلية من السكان عدم العودة إلى منازلهم إلى حين الانتهاء من تأمينها من الألغام التي زرعت وسطها وبين الأحياء.
ويؤكد ميلاد جحيدر، العضو بإدارة المفرقعات ومعالجة المتفجرات بهيئة السلامة الوطنية التابعة لوزارة الداخلية، أنّ الألغام ما زالت تهدد سكان مناطق الحرب، في عين زاره وخلة الفرجان وحي السيدة فاطمة، حيث دفنت عشرات الأطنان من مخلفات الحرب، وزرعت الألغام بطريقة متقدمة لا يمكن للفرق المحلية التعامل معها. ويوضح جحيدر في حديثه إلى "العربي الجديد" أنّ "فرقاً أجنبية كانت تقاتل ضمن مليشيات (اللواء السابق خليفة) حفتر، لديها تقنيات لزرع الألغام اضطرتنا لطلب المساعدة الدولية لنزعها، وبسبب عدم الاستجابة الكبيرة إلا من دولتين فقط ما زال العمل في مراحله الأولى"، مشيراً إلى أنّ تأمين هذه المناطق سيأخذ وقتاً أطول من المتوقع. ويقرّ جحيدر بحاجة السكان للعودة إلى منازلهم، لا سيما التي لم تتضرر بشكل كبير ويمكن ترميمها.
لكنّ بركان من جانبه، يؤكد أنّ الجهات الحكومية المسؤولة لم تقدم أيّ مساعدات أو إعانات للأسر التي عادت إلى منازلها، وقامت بجهدها الذاتي لصيانة منازلها. يتابع أنّ مشكلة النازحين حالياً تتكون من شقين؛ الأول إهمال الحكومة للنازحين الذين لم يعودوا لمنازلهم بسبب دمارها أو بسبب حقول الألغام فيها، وتركهم يواجهون مصيراً غامضاً من دون تقديم أيّ مساعدات إنسانية لهم، والثاني يتمثل في إهمال حصر المنازل المتضررة والتي سوّي بعضها بالأرض تماماً، وإمكانية تقديم بدائل للسكن أو إعانات أخرى".

في المقابل، ينفي يونس سعد، المسؤول بوزارة شؤون النازحين والمهجرين، عدم اهتمام السلطات بالقضية، مؤكداً بدء فرق تابعة لبعض الوزارات كوزارة التعليم في حصر الأضرار التي طاولت مؤسسات الدولة التعليمية. وبينما يعتبر سعد في حديثه إلى "العربي الجديد" أنّ تأجيل حصر الحكومة للأضرار الخاصة بمنازل المدنيين إلى حين الانتهاء من تأمينها ونزع حقول الألغام، فإنّ أم فدوى لا ترى في هذه الوعود سوى تطمينات وهرب من المسؤولية. تتابع أنّ بيوت بعض النازحين من جيرانها لا توجد فيها مزارع ألغام، لكنّهم ما زالوا ممنوعين من الرجوع، وتضيف أنّها تقدمت لوزارة الداخلية ولوزارة شؤون النازحين والمهجرين بطلبات أسوة بمئات من الأسر النازحة، لكنّ الردّ الحكومي مؤجل حتى اليوم. تضيف النازحة أنّ "الحكومة ستحيل قضيتنا إلى المحكمة العسكرية كون الأضرار والنزوح نتجا عن الحرب التي شاركت فيها القوات العسكرية، ما يتطلب محامياً وإجراءات طويلة ونفقات لا يمكن أن تتوفر لدينا للحصول في نهاية المطاف على تعويض مالي لن يمكّنني من بناء ربع بيت"، معتبرة أنّ كلّ هذا التعطيل والعرقلة يعني استمرار عيشها في حالة نزوح مستمرة.