كلينتون وترامب.. أي الوطأتين علينا أشدّ؟

كلينتون وترامب.. أي الوطأتين علينا أشدّ؟

29 يوليو 2016
الصورة

ترامب وكلينتون (22 يونيو/2016/Getty)

+ الخط -
أما وإن الأمور قد حسمت، الآن، في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بعد مؤتمريهما في كليفلاند وفيلادلفيا، وغداً كل من دونالد ترامب وهيلاري كلينتون المُرَشَّحَيْنِ "الرَسْمِيينِ"، لا "المُفْتَرَضَيْنِ"، للانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن هواجس أميركيين كثيرين، وغيرهم من أبناء هذه المعمورة، تصبح مشروعةً. لماذا؟
نعلم أن الانتخابات الرئاسية الأميركية حدثٌ دولي، ليس محلياً أميركياً فحسب، وتداعياتها تشمل العالم كله، ذلك أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى عالمياً، سواء عسكرياً أم اقتصادياً أم سياسياً. وبالتالي، فإن استقرار السلم الدولي أو اهتزازه يرتبط، إلى حدٍّ كبير، بهوية سيد البيت الأبيض. وضمن هذا السياق، لا نأتي بجديدٍ، إذا ما قلنا إن كلا من كلينتون وترامب شخصيتان جدليتان، تثيران، بتفاوتٍ طبعاً، كثيراً من القلق، محلياً ودولياً. فأحدهما، ونعني هنا كلينتون، أقرب إلى منطق "المحافظين الجدد"، على حد تعبير المؤرخ الأميركي المحافظ، روبرت كيغن، في مقاربتها السياسة الخارجية، في حين أن ترامب شعبوي ضحل متقلب، لا تكاد تعرف له قاعاً ولا سقفاً.
قد يجادل بعضهم في أن الولايات المتحدة دولة مؤسساتٍ عريقة، وبالتالي، يصعب أن يحكمها شخص واحد، مهما كانت قوته، وهذا صحيح، غير أن الصحيح أيضاً، أن الرئيس يملك صلاحياتٍ واسعةً في حقل السياسة الخارجية، مقارنةً بصلاحياته في الحقل السياسي الداخلي الذي تنازعه فيه بشكل أكبر المؤسستان التشريعية والقضائية. كما أن الخلفية الفكرية والسياسية لشاغل البيت الأبيض تساهم، بشكلٍ كبير، في تحديد مسار سياسات الولايات المتحدة، سواء داخلياً أم خارجياً. كيف ذلك؟
عملياً، لا تنساح القرارات السياسية المركزية والكبرى في الولايات المتحدة في فراغ، ولا تخضع، في الغالب (وليس دائماً)، لمزاجاتٍ فردية، بل إنها تكون محل نقاشاتٍ حادّة ومعمقة، في مراكز الدراسات والمؤسسات المختلفة. ولأن مؤسسة الرئاسة هي رأس الهرم التنفيذي، ولأنه لا يوجد منافسٌ للرئيس في مؤسّسته، على عكس الكونغرس الذي هو مؤسسة مجموع، متعارضة في الغالب، فإن تبني مؤسسة الرئاسة، أو ميلها إلى أمرٍ أو توجهٍ أو سياسةٍ معينة، يرجح كفتها. وإذا ما سحبنا ذلك على الفضاء الدولي، فإن تبني شاغل البيت الأبيض سياساتٍ تدخلية عدوانية عسكرية في شؤون الآخرين، أمر يمكن أن ينتج عنه تهديدٌ للاستقرار العالمي، كما رأينا في سنوات رئاسة جورج بوش الابن. في حين أن تبني شاغل البيت الأبيض سياساتٍ حذرةً متردّدة عالمياً، قد يؤدي إلى إيجاد بؤر فوضى عالمية، كما نرى اليوم في سنوات رئاسة باراك أوباما.
لذلك، الانتخابات الرئاسية الأميركية لهذا العام، وعلى قدر أهميتها داخلياً، مهمة عالمياً أيضاً، كما أنها شديدة الالتصاق بقضايانا، نحن العرب، ذلك أن الرئيس القادم في البيت الأبيض سيرث الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة (ساهمت بهما الولايات المتحدة)، وسيكون ملزماً بالتعامل معهما.
وعودة إلى المُرَشَّحَيْنِ الرئيسين. فإذا كان كثير من الأميركيين والعالم يضعون أيديهم على
قلوبهم فَرَقاً من أن يتحقّق الكابوس، ويصبح ترامب رئيساً، فإن الكابوس الحقيقي والأكبر يتمثل في أن بديل ترامب هو كلينتون. وبالتالي، إننا جميعاً أمام مفاضلةٍ رهيبةٍ بين أي الكابوسين أسوأ. ولا يتردّد كثيرون اليوم في القول، إنه قد يأتي اليوم الذي نتحسّر فيه على فترة رئاسة أوباما. ولعلها من المفارقات أن يشكّل ترامب وكلينتون، معاً، أقل مُرَشَّحَيْنِ شعبيةً في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية. فتاريخياً، عرفت هذه الانتخابات مرشحاً تنظر له أغلبية شعبية بسلبية، لكنها المرة الأولى التي يكون فيها رأي غالبية الناخبين سلبياً بالمُرَشَّحَيْنِ الاثنين معاً.
لا شك أن كلينتون أكثر ذكاءً وخبرةً سياسية من ترامب، ولا شك أنها أكثر استيعاباً وإدراكاً للمعادلات المحلية والدولية، لكنها أيضاً امرأة شرسة، متلوّنة، وذرائعية. هذه ليست تهماً جزافاً تطلق هنا، وإنما هي قناعاتٌ مترسخةٌ لدى الغالبية من الشعب الأميركي، بما في ذلك لدى نسبةٍ معتبرةٍ من القاعدة الديمقراطية، حسبما تفيد استطلاعات الرأي. ويكفي أن نشير، هنا، إلى نتائج استطلاع للرأي، أجرته جامعة كوينيبياك، العام الماضي، حيث قال 61% من الأميركيين إنهم لا يثقون بها. أما ترامب، فيكفي خطابه الشعبوي العنصري ضد السود وذوي الأصول الإسبانية والمسلمين والنساء وذوي الإعاقات. يمثل ترامب العنصرية لدى بعض الشرائح الأميركية، في أجلى صورها فجاجة وحماقة وضحالة. وإذا كانت كلينتون تقمّصت، أحياناً، "التقدمية" في أثناء منافستها السناتور بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية، فإن ترامب تقمص شخصية "الأبيض الغاضب" من كل شيء، وعلى كل شيء، وخصوصاً المهاجرين، على الرغم من أنه فاحش الثراء، لم يؤثر المهاجرون على أعماله، بل إن كثيرين من موظفيه منهم، على أساس أنهم أيدي عاملة رخيصة.
يتفق أميركيون على أن الانتخابات الرئاسية المقبلة هي خيار بين "السيء" و"الأسوأ"، ثمّ يختلفون في تحديد من هو "الأسوأ"، ترامب أم كلينتون. وثمّة من حسم أمره أن كلاهما "أسوأ"، ومن ثمَّ فهو إما قرّر أن يقاطع الانتخابات الرئاسية، أو أنه قرّر التصويت لمرشح حزبٍ ثالث. وينسحب الأمر نفسه عالمياً، مع ضرورة أن نسجل هنا، أن غالبية الدول، خصوصاً الحليفة للولايات المتحدة، تتمنى أن ترى كلينتون في البيت الأبيض لا ترامب. أما على صعيدنا العربي والإسلامي، الأمر أكثر تعقيداً، فحقيقة أن مقاربة كلينتون للسياسة الخارجية أكثر يمينيةً من أوباما، أو حتى المتوسط الديمقراطي، قد يعني مزيداً من العدوانية على الشعوب والاصطفاف مع الدكتاتوريات إذا ما أصبحت رئيسة. ويكفي أن يُشار، هنا، إلى الابتذال الذي تمارسه الآن تقرباً إلى إسرائيل ولوبيها النافذ في الولايات المتحدة. أما ترامب، فيكذب من يزعم أنه يعرف أين سيأخذ هذا الرجل أميركا والعالم، كما أنه واهمٌ من يظن أنه قد يكون أفضل لقضايانا. ومن كان يؤسّس حساباته على أن الرجل سيهزم لا محالة في الانتخابات العامة، فهو لا يفقه حقيقة التغييرات التي تشهدها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، والتي سمحت لأميركيٍّ أسود أن يصبح رئيساً، ولامرأة أن تكون مرشحة رئاسيةً عن أحد الحزبين الرئيسين، ولرجل ضحلٍ شوفيني من أن يكون مرشح الحزب الثاني. لا يعني هذا أن ترامب سيكون، حتماً، رئيس الولايات المتحدة، فهذا احتمال ضئيل، لكنه غير مستبعد.
باختصار، رهان عربٍ كثيرين على كلينتون أو ترامب هو رهان الفاشلين، فلا كلينتون ولا ترامب، ولا حتى أوباما أو ساندرز، سيكونون أكثر عدالةً ونزاهةً مع قضايانا، في الوقت الذي لا نقدّم فيه شيئاً يدفعهم إلى احترامنا. وإذا كان من المفهوم أن يفاضل الأميركيون عموماً، ومن ضمنهم المواطنون من أصولٍ عربية وإسلامية، بين "السيء" و"الأسوأ" في هذه الانتخابات، فمن غير المفهوم أن تفاضل بعض الأنظمة العربية والإسلامية بين أيِّ الوطأتين ستكون عليها وعلى شعوبها أشدّ وأثقل. وطأة كلينتون أم وطأة ترامب؟