قفازات ماليزية وقمص فرنسي ونصب أميركي

26 ابريل 2020
ـ وأنت ترتدي القفازات الطبية التي تأمل في أن تحميك من الفيروسات، ليتك تفكر بالعمال الذين يصنعونها ولو قليلاً، أو هكذا يرجوك الكاتب أندي هول الذي كتب مقالاً مهماً في صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية عن كواليس صناعة القفازات الطبية في ماليزيا التي تقوم بتصدير 200 بليون قفاز من المطاط الاصطناعي كل عام. وصف أندي هول عمال تلك المصانع بأنهم يعيشون في ظروف كارثية تجعلهم أشبه بالعبيد، وأن ما يجعلهم يوافقون على الاستمرار في العمل برغم ذلك أن أغلبهم مهاجرون قادمون من بنغلادش ونيبال وعدد من الدول الفقيرة، ولذلك تمثل فرصة العمل في المصانع الماليزية فرصة العمر بالنسبة لهم، حتى أنهم يدفعون للحصول عليها مبلغاً قد يصل إلى خمسة آلاف دولار أمريكي، ليؤمنوا فرصة عمل في تلك المصانع التي يصف الكاتب أوضاع العمل فيها بأنها "صعبة وقذرة وخطيرة". 

ولأن بعض هؤلاء العمال لا يستطيعون تأمين المبلغ المطلوب كاملاً، يقومون بدفع مقدم لتجار الوظائف، وينتهي بهم الحال وهم يعملون طيلة سنوات لسداد ديونهم لتجار الرقيق الذين جلبوا لهم الوظائف في ذلك البلد الإسلامي الذي لا زالت بعض ولاياته تطبق عقوبة الجلد حتى الآن لإعلان تمسكها بالحدود الشرعية! من ناحية أخرى يشير الكاتب إلى أن الدول الغربية التي كانت تصدر بعض الإدانات من حين لآخر للطريقة التي يتم بها معاملة العمال المهاجرين والفقراء في المصانع الماليزية، لم تعد تصدر مثل تلك الإدانات أبداً، بسبب اشتداد حاجة تلك الدول إلى القفازات الماليزية، حتى أن الولايات المتحدة التي كانت قد قامت قبل سنوات بتوقيع عقوبات على شركة تصنيع قفازات، بسبب استغلالها للعمال وإساءة معاملتهم، قامت أخيراً برفع العقوبات عن الشركة وسمحت لها باستئناف مبيعاتها إلى أميركا. 

من جهته قام الاتحاد الأوروبي بمواصلة ضغوط على أصحاب تلك المصانع، لا لتحسين ظروف العاملين، بل لزيادة صادرات المصانع من القفازات، وطبقاً لما يقوله الكاتب، طالب الاتحاد الأوروبي أصحاب المصانع بإيجاد حلول إبداعية ليتمكنوا من الاستمرار في الإنتاج طيلة ساعات اليوم، بدلاً من تعطيل العمل لساعات محددة، دون النظر إلى أن عمال هذه المصانع يواجهون احتمالات عالية للإصابة بفيروس كورونا الجديد، بسبب تكدسهم في مساكن أشبه بالثكنات العسكرية، تفتقر إلى التعقيم والتهوية، ولا توفر إدارات المصانع أي إجراءات تكفل ابتعاد العمال عن بعضهم في خطوط الإنتاج بشكل يساعد على وقايتهم من المرض، برغم أن صناعة القفازات الطبية في ماليزيا حققت في الفترة الأخيرة مبيعات قياسية، تضاعفت من 17 مليار رينغت في عام 2017، إلى ما يقرب من 19 مليار رينغت في العام الماضي، ولذلك يطالب الكاتب حسن النية الحكومات الغربية بالضغط على أصحاب تلك المصانع والمسؤولين الماليزيين، والتأكد من قيامهم بالإجراءات اللازمة لحماية العمال وتعويضهم في حالة تعرضهم لأي خطورة، لأنهم "مثل الأطباء تماماً يعملون في الصفوف الأولى لمواجهة وباء كورونا اللعين". 

لا أظن أن أندي هول يعتقد أن كتابته ستجبر الدول الغربية فعلاً على التخلي عن انتهازيتها المعهودة، لكنه كتب لكي يوصل أصوات العمال المهاجرين التي لا يستمع إليها أحد، ولا أظن أنك بعد أن قرأت هذه السطور ستتخلى فوراً عن ارتداء القفازات اللازمة لحمايتك لو وجدت أنها مصنوعة في ماليزيا، خاصة أنك قد لا تملك اختيارات أفضل للحصول على قفازات صنعت في ظروف تحترم العمال وحقوقهم، بالطبع لم أقل ظروف إنسانية، لأن الظروف الإنسانية هي بالضبط ما يقوم به أصحاب تلك المصانع، وما قام به قبلهم منذ قديم الزمان، كل ما أرجوه وأتمناه ألا تكتفي بما طلبه أندي هول، وهو أن تفكر في عمال هذه المصانع ولو قليلاً، بل أن تحرص أيضاً على ألا تمارس أي نوع من الاستغلال على من هو أضعف منك، وأن تفكر ألف مرة في علاقاتك مع الآخرين، وإن لم تستطع أن تطلب لهم ما تطلبه لنفسك من حقوق، لأنك أصبحت تخاف من أن يودي بك طلب الحقوق إلى السجن، فعلى الأقل لا تقم بتبرير ظلم أصحاب الحقوق، ولا تؤيد انتهاك حقوق غيرك تحت أي مبرر، ففي ذلك أضعف...، كنت سأخطئ وأقول "وذلك أضعف الإنسانية"، لكني لحقت نفسي.  

...

ـ تحت عنوان "المسؤولون يعاملوننا كأننا أطفال"، نشرت مجلة "ذيا ويك" الأميركية مقتطفات من مقال "مقموص" للكاتب الفرنسي باسكال ريشيه نشره في صحيفة "لوبس" الفرنسية والتي كانت تعرف سابقاً باسم "لونوفيل أوبرزفاتور"، والتي يشغل الكاتب منصب نائب مدير تحريرها، قال فيه إن الفرنسيين يتصرفون بشكل مشرف تجاوباً مع إجراءات العزل التي اتخذتها الحكومة الفرنسية في الأسابيع الماضية للحد من انتشار فيروس كورونا، ومع ذلك يمكن للمراقبين أن يتخيلوا حدوث عكس ذلك، لو تابعوا التصريحات الغاضبة التي يواصل المسؤولون الفرنسيون إصدارها طول الوقت، لدرجة أن المسألة وصلت إلى حد مهاجمة المرضى الذين أصيبوا بالفيروس، وهو ما قام به قائد شرطة باريس الذي قال إن الموجودين حالياً في المستشفيات، لا بد أنهم فشلوا في احترام إجراءات العزل التي فرضتها الحكومة. 

يرى الكاتب أن هذا التصريح ليس فردياً، بل هو نموذج فج لتصريحات كثيرة أطلقها العديد من المسؤولين وعُمد المدن في التلفزيون وعلى حساباتهم الرسمية في "تويتر"، كان من آخرها شكواهم من امتلاء الكثير من الحدائق بالأجداد والأحفاد الراغبين في النزهة، ومن قيام الكثيرين بارتداء أقنعة طبية كان يجب حفظها لكي يحصل عليها الأطباء والممرضون، وهي تصريحات خلقت حالة من الغضب لدى المواطنين الفرنسيين، عبر عنها أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذي كتب تدوينة لقيت انتشاراً كبيراً بين الفرنسيين، لأنه قال فيها: "توقفوا عن الزعيق فينا".

لم يشر الكاتب في الأجزاء التي قرأتها من مقاله إلى أن المواطنين الفرنسيين لم يتجاوبوا بسرعة مع سياسات الحكومة الفرنسية، ولم يفعلوا ذلك إلا بعد أن أدركوا خطورة الموقف من خلال متابعة ما يجري في إيطاليا وإسبانيا، وهو ما أشارت إليه تقارير كثيرة، وهو يرى أن الغالبية العظمى من الفرنسيين فعلت وتفعل ما عليها وزيادة لمكافحة انتشار الفيروس، وعلى رأس ذلك عدم ترك المنازل إلا لشراء البقالة باستخدام تصريح مطبوع، وأن الفرنسيين قاموا بالتخلي عن حرياتهم ومصالحهم المادية للمساهمة في حماية جيرانهم، وساهموا في مجموعة من حملات التضامن الاجتماعي التي تعيد الثقة في الإنسانية، مستشهداً باستطلاع نُشرت نتائجه مؤخراً يقول إن 93% من الفرنسيين يوافقون على إجراءات العزل والتباعد الاجتماعي، ولذلك يجب على الحكومة في رأيه أن توجه التحية لمواطنيها وتشجعهم، بدلاً من القيام بوعظهم والانتقاص مما يقومون به، مضيفاً أن "التوجهات العسكرية ولغة الضبط والربط الحادة التي تطلب من الجميع أن يخرسوا ويتبعوا الأوامر مناسبة للحروب، وليس لمواجهة الأوبئة، نحن خائفون، ونحاول أن نفعل المطلوب منا، فارحمونا قليلاً". 

ذكرني ما كتبه الكاتب الفرنسي المقموص بالجدل الذي أثاره الفيلسوف الإيطالي جيورجيو أغامبين حين حذر في أكثر من مناسبة من حالة الاستسلام الجماعي للإجراءات الاستثنائية التي فرضتها الحكومات في الفترة الأخيرة، والتي تساعدها على إبقاء المواطنين في "حالة استثناء دائمة"، لكن مشكلة الكاتب الفرنسي تختلف طبعاً عما حذر منه أغامبين القلِق على المستقبل الإنساني من تداعيات التقنيات والسياسات التي صاحبت فترة العزل الإجباري، فالكاتب الفرنسي لا يدعو إلى التفكير في بدائل عن حالة العزل، بقدر ما يدعو حكام بلاده إلى الطبطبة على المواطنين، وربما لم تصله التجربة المصرية في هذا المجال، وإلا لكان قد طالب الرئيس الفرنسي بتسجيل كلمة يشجع فيها المواطنين الفرنسيين ويدلعهم، ويذكرهم بماضيهم العريق وتاريخهم المشرق، لتتم إذاعتها في جميع القنوات مصحوبة بأغنيات وطنية تبشر المواطنين الفرنسيين بقرب انتصارهم على الفيروس اللعين، لأنهم في النهاية يعيشون في البلد التي خرج منها "أول تنوير في الدنيا شقّ ظلام الليل".  

...

ـ مع كل أزمة صحية يشهدها العالم تنبعث هذه "النصباية" القديمة من العدم، وتثبت أنها صالحة للاستخدام، أتحدث عن نصباية اللف على المنازل بدعوى تعقيمها، في حين يقوم المعقمون المزعومون بتقليبها، كنت قد قرأت في رواية "الطريق الوحيد" للكاتب التركي عزيز نيسين، وصفاً تفصيلياً لنتائج تلك النصباية المدهشة خلال فترات انتشار الأوبئة وقدرتها على استغلال خوف الناس من المرض ببراعة شديدة، ولذلك لم أستغرب حين قرأت عن عودة هذه النصباية إلى الظهور في ولاية فلوريدا الأميركية خلال الأيام الماضية، لكن من مارسوها لم يكتفوا فقط بارتداء معاطف الأطباء وأقنعتهم الطبية، بل أضافوا إليها لمسة جديدة، حين استبدلوا السرقة الفورية للبيوت بسرقة آجلة للحسابات البنكية لأصحابها. 

في تقرير نشرته إحدى صحف جنوب فلوريدا، يتحدث فريد جريم عن تفاصيل الخدعة التي تبدأ بطرقات حازمة على الباب، يعقبها ظهور ذوي المعاطف البيضاء الذين يقولون إنهم قادمون لعمل تحليل طبي يكشف للساكن ما إذا كان مصاباً بـ"كوفيد 19" أم لا، ليتكفل ذكر فيروس كورونا بإثارة مشاعر متناقضة بين الخوف من أن يكون الساكن قد أصيب به، والأمل في أن يكون من الناجين منه، ولذلك يتجاوب أغلبية من تتم زيارتهم مع الخبراء الأدعياء، ويقومون بالإجابة فوراً على أسئلة صحية، تتحول "بالدهلكة والحداقة" إلى أسئلة شخصية عن تفاصيل البيانات البنكية لمن يتم عمل التحليل لهم، بدعوى خصم تكلفة التحليل منها مقابل إيصالات رسمية، ليخسر من يقع في الفخ جلده وسقطه، قبل أن يكتشف أنه لم يتلق إجابة على سؤاله الأهم: هل هو مصاب بالفيروس أم لا؟ 

مع تطور الأوضاع والأحداث يتطور أداء النصابين بصورة مذهلة، فبعضهم لا يقوم بزيارة البيوت، لأن في ذلك مخاطرة غير محسوبة، ويفضلون النصب الإلكتروني الآمن، الذي يجعلهم يخاطبون ضحاياهم بوصفهم مسؤولين فدراليين عن توزيع المساعدات المالية التي قررت الحكومة الفدرالية صرفها أخيراً، والتي تصل إلى 1200 دولار أميركي، طالبين من الزبون الغر منحهم رقم حسابه البنكي ليودعوا المبلغ فيه، فيسارع إلى ذلك شاكراً لحكومته وقوفها إلى جواره، قبل أن يكتشف أن ما راح منه أكثر بكثير مما كان يأمل الحصول عليه، في الوقت الذي يفضل نصابون آخرون اللجوء إلى قناع الخير لإقناع ضحاياهم بضرورة التبرع لمساعدة ضحايا الوباء في المناطق الأشد ابتلاءً به، وهي وسيلة لا يسهل الحصول على مبالغ كبيرة منها من كل ضحية، لكن مجموع ما يتم الحصول عليه يجعلها مربحة للنصابين ومريحة لضمائر من يجهلون وقوعهم في الفخ. 

للتدليل على خطورة هذا الوباء الموازي الذي تربّح منه الكثير من النصابين و"المتربحين قلالات الحيا" ـ على حد تعبيره ـ يتحدث فريد جريم عن 13 ألف شكوى تلقتها مفوضية التجارة الأميركية الفدرالية عبر الولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية، أرسلها مواطنون خسروا ملايين الدولارات بسبب خوفهم على صحتهم أو رغبتهم في فعل الخير، مشيراً إلى نماذج من أدعياء الطب الذين قاموا على الإنترنت ببيع منتجات زعموا أنها تعالج فيروس كورونا، ومن بين هؤلاء واعظ تلفزيوني إنجيلي سابق اسمه جيم باكر، والمذيع المهووس بنشر نظريات المؤامرة أليكس جونز والذي يمتلك شعبية مذهلة مكّنته من بيع منتجات كيميائية ادعى أنها تقضي على الفيروس، عاديك عمن يقومون ببيع اختبارات تحليل مضروبة بمئات الدولارات، ومن يتربحون من تخزين وبيع الأقنعة الطبية والمطهرات وورق التواليت، ليثبتوا أن الأزمات لا تخرج من الناس فقط أفضل ما فيهم، بل تخرج أيضاً أوسخ وأقبح ما فيهم. 

خلي بالك.

تعليق: