قانون تنظيم دار الإفتاء: محطة جديدة بصراع الطيب والسيسي

20 يوليو 2020
الصورة
اتسمت علاقة السيسي والأزهر بالتوتر (الأناضول)

محطةٌ جديدة في الصراع الدائر منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وشيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب، اتضحت معالمها، مع إعلان هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر، مساء أول من أمس السبت، موقفها الرافض لمشروع قانون تنظيم دار الإفتاء المصرية، قبيل ساعات من مناقشته في البرلمان. وسرّبت الهيئة خطاباً احتوى رأي الأزهر في مشروع القانون كانت أرسلته إلى رئيس مجلس النواب علي عبد العال برقم 166 بتاريخ 20 فبراير/شباط الماضي، وحصلت "العربي الجديد" على نسخة منه. وأعلنت الهيئة عبر الخطاب، رافضها مشروع القانون، مقترحةً تعديلات أكدت أنها تتسق مع أحكام الدستور، بخلاف المشروع الذي تقدم إلى البرلمان من قبل رئيس جامعة الأزهر السابق، النائب أسامة العبد.
وقالت مصادر من داخل مشيخة الأزهر، إن هيئة كبار العلماء تعمّدت الكشف عن الخطاب الذي وجهته إلى عبد العال في فبراير الماضي، قبيل مناقشة مشروع قانون الإفتاء، حتى "تضع المجلس أمام مسؤوليته التاريخية، قبل إقرار القانون الذي يعتبر عدواناً على الأزهر، وحتى يعلم الجميع أن الأزهر وهيئة كبار العلماء أوضحا جلياً اعتراضاتهما على المشروع، وأنهما لم يكتفيا بذلك، بل اقترحا تعديلات عليه تضمن خروجه متسقاً مع الدستور والقانون".

الهدف من قانون تنظيم دار الإفتاء إنشاء كيان موازٍ للأزهر، وتفريغ دور الأزهر وتهميشه لصالح كيان سيكون تحت أمر السلطة التنفيذية

وأضافت المصادر، لـ"العربي الجديد"، أن الأزهر "يتوقع إقرار مشروع القانون من قبل مجلس النواب، الذي سوف يتجاهل رأي هيئة كبار العلماء ويمرّر القانون المعيب، لكن أعضاء الهيئة لن يصمتوا أمام ذلك، وسوف يتخذون الإجراءات القانونية في حال حدوثه، والطريق هو الطعن على دستورية القانون في المحكمة الدستورية العليا". وتابعت المصادر أن "أعضاء الهيئة، كلّهم رجال جاوزوا الثمانين من العمر، ومعروف عنهم النزاهة والحرص على حسن الخاتمة، ولذلك فإنهم لن يفرطوا في المبادئ التي يؤمنون بها، وعلى رأسها استقلالية وجلال الأزهر، وأنهم سوف يذودون عنه بكل ما أُوتوا من قوة وصبر، وذلك لن يتم من خلال سلطة دينية، بل من خلال قواعد قانونية مؤسسة على الدستور صاغها علماء في القانون وخبراء استعانت بهم الهيئة من بين أعضائها من خريجي كلية الشريعة والقانون، وآخرين من خارجها".

وأكدت المصادر أن الهدف الرئيسي من قانون تنظيم دار الإفتاء الجديد، هو "إنشاء كيان موازٍ للأزهر، وتفريغ دور الأزهر وتهميشه لصالح كيان دار الإفتاء الذي سيكون تحت أمر السلطة التنفيذية"، مضيفة أن "المستهدف الرئيس هو شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، الذي يرى فيه الرئيس السيسي منافساً له". وقالت هيئة كبار العلماء، في الخطاب المرسل إلى رئيس مجلس النواب، إن الأزهر طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 7 من الدستور هو "هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساس في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة، ونشر علوم الدين، واللغة العربية في مصر والعالم...". وأضاف الخطاب أنه "إذا كان الأزهر بنص الدستور، هو المرجع الأساس في كل تلك الأمور التي في صدارتها الإفتاء، والبتّ في كافة الأمور المتعلقة بالشريعة، والرد على الاستفسارات الشرعيَّة من أيّ جهة، وتقديم الآراء الشرعية في شأن المعاملات المالية المعاصرة، وإجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وغيرها من الأمور الشرعية التي تضمنها مشروع القانون، وأسندها لهيئة تابعة لوزارة العدل، ولا تتبع الأزهر الشريف؛ فإن ذلك ينطوي على مخالفةٍ دستورية، ومساسٍ باستقلال الأزهر، وجعْل رسالته مشاعاً لجهات أخرى لا تتبعه". ورأى أن "دار الإفتاء ستصير عندئذٍ كياناً عضوياً منبت الصلة عن الأزهر الشريف، وتمارس عملها بمعزل عن الأزهر".
وأشارت هيئة كبار العلماء إلى أن نصَّ القانون رقم 103 لسنة 1961، وتعديلاته بالمرسوم بقانون رقم 13 لسنة 2012، أكد أن الأزهر هيئة مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية. وأضافت أنه "لما كان مشروع القانون المقترح قد تضمن إنشاء هيئة دينية إسلامية، وأناط بها الاختصاص بكافة ما يتعلق بالفتوى، فقد أسند إليها إجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، وجعلها الجهة القوامة على شؤون الفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وهي المتحدث في كل شؤون الشريعة الإسلامية، وإعداد المفتين وتأهيلهم (داخل جمهورية مصر وخارجها)، وترجمة الفتاوى الشرعية إلى اللغات المختلفة ونشرها، وإصدار النشرات والكتب والمجلات، وأي إصدارات ذات الصلة بنشاط دار الإفتاء". وتطرق الخطاب إلى "إنشاء مركز يسمى مركز إعداد المفتين برئاسة المفتي، في دار الإفتاء، يهدف إلى إعداد الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء، وإكسابهم المهارات اللازمة لذلك، وتأهيلهم داخل مصر وخارجها، وإصدار شهادة دبلوم يعادلها المجلس الأعلى للجامعات، وهذا مما يعد افتئاتاً على جامعة الأزهر، التي تختص بإصدار الشهادات العلمية في العلوم الإسلامية".
وأكد خطاب الهيئة أنه "فضلاً عما تقدم، فقد تضمّن مشروع القانون المقترح عُدوانا على اختصاص هيئة كبار العلماء بالأزهر واستقلالها، وهي التي تختص وحدها بترشيح مفتي الجمهورية، وقد جاء المشروع ملغياً للائحة هيئة كبار العلماء التي تكفلت بإجراءات ترشيح ثلاثة بواسطة أعضاء هيئة كبار العلماء، والاقتراع وانتخاب أحدهم لشغل المنصب، وجاء المقترح ليلغي ذلك". وقالت الهيئة إن "مُؤدى هذه النصوص، فضلاً عن سلب اختصاص هيئة كبار العلماء، جعل تبعيَّةِ الفتوى الشرعية لأحد وزراء الحكومة، وتخويله سلطة ندْب من يحلُّ محلَّه عند خلو منصبه؛ بما يؤكد زوال جميع الضمانات التي كفلها الدستور والقانون لاستقلال الأزهر وهيئاته، وإسناد رسالته لأحد أعضاء الحكومة، على الرغم من أن الأزهر هو مَن يختار المفتي ابتداءً". وأضافت: "كما تضمن مشروع القانون المقترح عُدواناً على جامعة الأزهر في ما تضمَّنَه من النص على أن ينشأ بدار الإفتاء مركز يسمى مركز إعداد المفتين برئاسة المفتي، يهدف إلى إعداد الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء".

تعتزم هيئة كبار العلماء الطعن بدستورية القانون في المحكمة الدستورية العليا

وقالت الهيئة إن المشروع "لم يخلُ من المساس بمجمع البحوث الإسلامية، الذي يتألَّف من عددٍ لا يزيد على 50 عضواً من كبار علماء الإسلام، يُمثلون جميع المذاهب الإسلامية، ويكون من بينهم عددٌ لا يزيد على الـ20 من غير مواطني جمهورية مصر العربية". ولفتت الهيئة إلى أن المخالفات الدستوريَّة التي شابت مشروع القانون "لا تقتصر أو تقف عند مجرد العدوان على اختصاصات الأزهر، ومحاولة إنشاء كيان موازٍ للأزهر يقوم في موضوعه وغايته على محاولة الحلول محلَّه في رسالته وأغراضه، فالأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، أو التشبث بالصلاحيات، أو احتكار جهةٍ للقيام بدور معين، ومنع غيرها من مشاركتها فيه". ورأت أن "الخطورة تكمن في تجزئة رسالة الأزهر، وإهدار استقلاله الذي هو عِمادُ وسطيته واعتداله، فالأزهر ليس مجرد هيئة وأشخاص، وإنما هو رسالة علميَّة لا تحتمل إلا أن تكون مستقلة غير تابعة، وهذا المشروع المعروض يخلُّ إخلالاً جسيماً بالدستور، كما يخلُّ بالاستقلالية والحياد الذي ينبغي أن يتمتع بهما منصب مفتي الجمهورية".
والمعروف أن العلاقة بين السيسي والطيب ليست في أحسن حال، إذ إنه وعلى الرغم من أن الإمام الأكبر، كان أحد أبطال مشهد الثالث من يوليو/ تموز 2013، حيث كان حاضراً وقت إلقاء السيسي بيانه بعزْل الرئيس المنتخب محمد مرسي، لكن بيانه كان مقتضباً ولم تبدُ عليه فرحة كبيرة وتفاؤل بما يحدث. وبعد البيان الذي ألقاه السيسي مساء ذلك اليوم، والذي تم بموجبه عزل مرسي، وتعطيل العمل بالدستور، وتأدية رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور اليمين أمام هيئة المحكمة كرئيس مؤقت للبلاد، وتحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية، ألقى الطيب بياناً لم يكن حماسياً، قال فيه إنه تبين من خلال الاجتماع، أن مصر الآن أمام أمرين أحلاهما مر، وأن أشدهما مرارةً هو صدام الشعب المصري وسيلان دمائه في الشارع. وأضاف أنه كان من الضروري تأييد الرأي بانتخابات رئاسية مبكرة يحتكم فيها الشعب إلى صندوق انتخابٍ يضمن نزاهته، ليختم كلمته بجملة "أسأل الله أن تَسْلم مصر".
ومنذ ذلك الوقت، تشهد العلاقة بين الطيب والسيسي توترات بين الحين والآخر، إذ بدا الرئيس في أكثر من موقفٍ متربصاً بالطيب، وكان منها عندما وجّه إليه عتاباً أثناء الاحتفال بعيد الشرطة عام 2017، بقوله "تعبتني يا فضيلة الإمام"، وذلك في سياق حديثه عن ضرورة تغيير الموقف الشرعي من قضية "الطلاق الشفهي"، واعتباره كأن لم يقع إذا لم يتم توثيقه.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018، وقع سجال بين السيسي والطيب خلال الاحتفال الرسمي للدولة بذكرى المولد النبوي، والذي شنّ فيه شيخ الأزهر هجوماً عنيفاً على الداعين لاستبعاد السنة النبوية من التشريع، وهو ما وصفه مراقبون بأنّه كان موجَّها لرئيس الدولة، الذي دأب على توجيه انتقادات للخطاب الديني، داعياً إلى تنقيته تحت شعار التحديث.
والأمر تكرر في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إذ أثارت كلمة الطيب في الاحتفال بذكرى المولد النبوي، التي خصصها للحديث عن خطبة الوداع، حفيظة السيسي، إذ قال إن "النبي أول من وضع دستوراً عالمياً لحماية الدماء والأعراض والأموال، فقد كان أول بند من بنود خطبة الوداع تحذير العالم أجمع من فوضى الدماء والعبث بالأموال والأعراض". ونفى السيسي في كلمته بعد الطيب نفياً قاطعاً "طمعه في حكم مصر"، مشيراً إلى أنه "لم يكن ينوي الترشح لرئاسة الجمهورية".