في وداع أوباما

21 يناير 2017
الصورة
+ الخط -
يمكن أن يُقال الكثير في رثاء ولاية الرئيس الأميركي، باراك أوباما. خيبة الأمل منه كبيرة في العالم العربي، لا سيّما بين من يرى أنه باع فلسطين وسورية والعراق واليمن، من أجل محاربة "داعش" وتمرير الاتفاق النووي الإيراني. لكن، لا بد من قراءة متأنية في الإرث الذي يتركه بعد ثماني سنوات في الحكم.
كان أوباما رئيسا بدون أيديولوجية تحرّكه، وباستراتيجية تحت عنوان عدم توريط أميركا في حروبٍ مكلفة جديدة. كان مسكوناً بإرث سلفه، جورج بوش الابن، حول غزو العراق والركود الاقتصادي، كما كان مثالياً حيال إغلاق معتقل غوانتانامو وحل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وحتى في مقاربة بدايات "الربيع العربي". ما حققه من تحوّلاتٍ في تركيبة الاقتصاد الأميركي وأنظمة التربية والرعاية الصحية سيبقى لأجيال قادمة. أوباما الذي وصل إلى الحكم بشعارات وحدوية، ترأس استقطاباً أيديولوجياً غير مسبوق في المجتمع الأميركي. لا يأخذ هذا كله من أوباما تاريخية مسيرته السياسية، وتوفيره الاستقرار السياسي الذي ستشتاق إليه واشنطن في الأشهر والسنوات المقبلة.
لا يمكن اختصار هذا الإرث بجائزة نوبل للسلام، والانخراط مع إيران وكوبا. أكثر من أي شيء آخر عقيدة أوباما هي سلاحا الطائرات من دون طيار (الدرونز) والعقوبات الاقتصادية. تحوّلت "الدرونز"، خلال ولايته، إلى آلة القتل المفضلة في واشنطن، من دون أي رادع أو محاسبة. وبعد ضغوط اليسار الأميركي، أخرج أوباما هذا السلاح من غموض وكالة الاستخبارات المركزية إلى عسكرة البنتاغون، كما حرص، أخيراً، على مأسسته، ليترك في أيدي إدارة خلفه، دونالد ترامب، أكثر الأسلحة خطورةً في الترسانة الأميركية. مع أوباما، تكرّس أيضاً أسلوب إخضاع الأصدقاء والخصوم من خلال قوة النظام المالي الأميركي عبر إغلاق الأسواق العالمية بوجه مصارف البلدان المستهدفة ومؤسساتها.
كان أوباما أيضاً أكثر رئيس أميركي أنفق على الشؤون الدفاعية. ميزانية البنتاغون لعام
2011 كانت الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، على الرغم من الانحسار الكبير في حجم القوات الأميركية في العراق وأفغانستان خلال ولايته. نفوذ الشركات العسكرية المصنّعة في محيط واشنطن ازداد في ظل إدارته، وحرص على توفير العقود الدولية لها، لكي تتكيف مع تقلّص النفقات في الحروب الأميركية. كان أوباما يردّد أنه ليس ضد الحروب بالمطلق، بل ضد "الحروب الغبية" التي تستنزف الموارد. فضّل دائماً عدم المبادرة بالهجوم إلا بعد التأكد من الانسحاب السريع، أي عمليات عسكرية جراحية، مثل قتل زعيم تنظيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، أو نشر قوات خاصة خلف حلفاء واشنطن لإسداء المشورة، وليس لقيادة المعركة.
عقيدة أوباما أن العسكر الأميركي ليس لحل المشكلات الإنسانية حول العالم، وأميركا لا يمكنها أن تتحمّل وحدها عبء حل كل القضايا الدولية. عند انطلاق الربيع العربي، كانت البيرقراطية الأميركية، وحتى الغربية، قد خرجت من عقلية ترويج الديمقراطية أو "بناء الأمم". وبالتالي، لم يكن هناك وضوح لماهية الدور الأميركي في هذه التحولات العربية. الافتراض أن مجرّد إسقاط نظام حسني مبارك في مصر سيعزّز العلاقات الأميركية - المصرية لم يكن صائباً، واعتبار التدخل لحماية المدنيين يكفي لبناء سلطةٍ مفقودةٍ في ليبيا باء بالفشل. وفيما كانت الاستخبارات الأميركية تركز على شل قدرات تنظيم القاعدة، لم تتمكّن إدارة أوباما من توقع صعود "داعش"، كما كانت بطيئةً في استيعاب مخاطر صعود هذا التنظيم المتشدّد. هذا على الأرجح من أكبر إخفاقات إدارة أوباما، على الرغم من نجاحها في إبعاد الداخل الأميركي عن رادار مخططات "داعش".
هناك أيضا ثلاثة عوامل رئيسية في إرث أوباما السياسي فيها دلالات عربية، لا بد من الوقوف عندها. أولاً، كان أول رئيس في التاريخ الحديث ينهي اعتماد أميركا على النفط العربي. أدى
هذا العامل، بالإضافة إلى تقاطع المصالح بين واشنطن وطهران في العراق، إلى سعي إدارة أوباما إلى إنجاز الاتفاق النووي الإيراني، بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني. ثانياً، القرار الاستراتيجي في واشنطن بعدم خوض مواجهةٍ مع إيران، بشكل مباشر أو بالوكالة، نيابة عن حلفائها العرب. كان التفسير العربي لهذا القرار باعتباره انكفاءً للدور الأميركي في المنطقة. وبالتالي، أصبح فشل الربيع العربي نتيجة عدم مواجهة واشنطن نفوذ إيران الإقليمي. ثالثا، كسر أوباما أسطورة نفوذ إسرائيل في واشنطن، عندما خاض معركة تمرير الاتفاق النووي الإيراني في الكونغرس ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. كما نقل أوباما الرأي العام الأميركي، لا سيما الحزب الديمقراطي، إلى موقعٍ أكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية.
مشكلة أوباما أنه كان يتأمل كثيراً في قراراته. احتار بشأن سورية بين إقصاء بشار الأسد وردع "داعش"، بين التعاون مع تركيا أو دعم الفصائل الكردية. رأى قادة العالم في هذا التردد، وفي سعي أوباما إلى مصالحة الأعداء، وفي عدم رغبته باستخدام القوة التقليدية، علامات ضعف. على عكس تأملات أوباما الوجودية، تستقبل العاصمة الأميركية صخب دونالد ترامب الارتجالي. علينا أن نعتاد الآن على أسلوب رئاسي جديد، وعلى تغريدات عبر "تويتر" في منتصف الليل، توقظ دبلوماسياً أميركياً في مكان ما في العالم، ليحاول الحد من تداعياتها. يحمل ترامب الصورة المعاكسة التي توحي بها واشنطن أنها ستعود من الانكفاء إلى التهوّر، لكن تغيّر الأسلوب الرئاسي لا يعني تغير الظروف الموضوعية في واشنطن والعالم.