في هجاء النحنحة!

18 اغسطس 2020
+ الخط -

"يعني زعلان عشان 12 فرنساوي بدل ما تزعل على قتل المسلمين في العراق وسورية وبورما"، لا أدري كم مرة قال صديقي هذه العبارة خلال حوارنا الذي فشلت خلاله في إقناعه أنه يمكن لك كإنسان عاقل أن تدين بقوة قتل رسامي كاريكاتير لم يفعلوا سوى التعبير عن رأيهم أياً كان رأيك فيه، ثم تدين بنفس القوة قتل الأبرياء في الصين وباكستان واليمن والعراق وسورية وبورما وكل مناكب الأرض، وتستعيد كل جرائم الإمبراطوريات الاستعمارية والاستيطانية، وتذكّر من حولك بإبادة الهنود الحمر وقتل ضحايا هيروشيما وناجازاكي وغزة وأبو غريب وملجأ العامرية ومذابح ماسبيرو ورابعة وحلبجة وغيرها، وتدين أزمات التهميش الذي يعاني منه المهاجرون في المجتمعات الغربية ودور العنصرية في تغذية التطرف، وتدين أيضاً نفاق الغرب وصمته على الأنظمة النفطية التي تدعم الأفكار السلفية المتطرفة، وأنه يمكن أن تجمع بين كل هذه الإدانات الضرورية دون أن تصاب بمرض عضال أو حتى بدوالي الخصيتين أو الفتاق الإربي، لأن إدانتك لكل أشكال القتل مهما تعددت أشكال القتلة، لا يعني أكثر من أنك تتمسك بآخر خيوط الإنسانية، حتى وإن كانت واهية، لا تحيي الموتى ولا تنصر الضعفاء.

صداقتنا العميقة جعلتني أفكر في إثبات وجهة نظري له باستخدام شكل إيضاحي مساعد، ففكرت في الانتظار حتى تصير الفرصة متاحة، لأقوم بمنحه مداخلة بلدية عميقة، من تلك التي يزجيها الأصدقاء لأصدقائهم حين يتزوجون ويدخلون دنيا، فيقفزون في الكوشة بشكل غير مفهوم للعروسة، وحين يستدير صارخاً وغاضباً وشاتماً من المداخلة التي أسديتها له، كنت سأقول له بجدية شديدة: "إزاي تزعل على نفسك من غير ما تزعل على اللي بيتقتلوا في العراق وسورية وبورما"، لكنني كنت متأكداً أنه لن يتفهم المعنى المجازي الذي ستحاول أصابعي الودودة إيصاله إليه.

من حقك أن تعتبر هذا الكلام عبثاً منحطاً، لا يليق بما نعيشه من أجواء متوترة مكفهرة، وكنت سأتفق معك، لو لم نكن محاطين بأشكال أشد عبثاً وانحطاطاً، يتخفى بعضها في ثياب الغيرة على الدين الحنيف، وبعضها في ثياب عدم الرغبة في الانسحاق أمام المستعمرين السابقين والحاليين، وبعضها في ثياب الحديث عن ضرورة رفض الفن المنفلت المغذي للتطرف، مما يذكرك بانحطاط الكثيرين من أبناء أمتنا حين يعلقون على طريقة لبس فتاة تعرضت للإغتصاب أو التحرش ودوره فيما تعرضت له من جريمة، وهم ذاتهم الذين سيتهمونك بالانسحاق أمام الغرب الغاصب، لو رفضت عقد أي مقارنة بين اختيار فني أو أدبي مسالم يمكن رفضه بالكتابة أو الفن أو حتى اللجوء إلى القانون والتظاهر وكافة وسائل التعبير السلمي عن الإستنكار، وبين اختيار وحشي مسلح يتخيل أن انتصار دينه سيتحقق حين يصبح اسمه مرتبطا بالدم والقتل في ذهن كل من يفكر في انتقاده أو مهاجمته.

هل أنتظر ممن يستخدم منجزات الحضارة الحديثة أن يفهم أننا لن نستطيع ممارسة الفهلوة الأزلية، بأن نستفيد من منجزات تلك الحضارة في الطب والعلوم والتكنولوجيا، في حين نقرر أن نعيش سياسياً وثقافياً ودينياً في العصور القديمة

أنت لا تحتاج إلى مناسبة، لكي يثقل قلبك الحزن والقرف على أوضاعنا، لكن أياماً كهذه ستشكل مناسبة لم تطلبها للمزيد من الحزن والقرف، خصوصا إذا كنت ممن أنعم الله عليهم بيقظة الذاكرة، وهو ما سيجعلك تتذكر أن كلاماً كثيراً مما تقرأه وتسمعه، أو حتى ترغب في قوله وكتابته، سبق أن قيل وكُتب قبل ذلك في مناسبات مماثلة متكررة، "هاجت" فيها الشعوب الإسلامية ضد فيلم أو رسوم كاريكاتيرية أو رواية أو مقالة، ظنا منها أنها بذلك الهيجان، تكرس لنفسها هيبة مستمدة من مبدأ "رهبوت خير من رحموت"، وأنها حين تقتل أو ترهب من تطاول على مقدساتها، تمارس انتصاراً ما على سبيل التغيير اللازم، لأمة لا تفعل شيئا سوى الانتقال من هزيمة إلى أخرى، أمة يئست من مواجهة نفسها بهزائمها، فقررت أن تركز في انتصاراتها السهلة، التي ستكفل لها دخول الجنة، في حين تُسعّر كل شعوب الأرض في الجحيم.

لا داعي لسيرة "الديجافو"، إذا تذكرت أننا خضنا في حديث كهذا قبل ذلك، لأن "الديجافو" أكرم وأعز عندي، من أن أستخدمه في وصف حالنا الذي "نبات فيه نصبح فيه"، لا تنس أن بعض علماء النفس وهم يتحدثون عن حالة "الديجافو" التي يشعر الإنسان فيها بأنه عاش في ماضيه تفاصيل تمر عليه في حاضره، ربطوها بحدوث مشاعر الرهبة والغرابة، أما نحن فلم نعد نستغرب كوننا نعيش على الدوام ما عشناه من قبل، ولا أظن أن الرهبة ستكون شعورنا المفضل حين نعرف أننا سنعيشه لاحقاً، وأننا سنظل متمسكين بتفضيل الحزن والقرف كاختيار للتعبير عن رغبة شعوبنا الدائمة في تحاشي مواجهة جوهر أزماتها، وتفضيلها الإلتفاف حولها دائما، لتجنب مرارة المواجهة، ونيل راحة خداع النفس، وهو ما يجعل ما سبق أن قلناه جميعاً على اختلافاتنا الفكرية أيام أزمة الرسوم الدانماركية، هو نفسه ما قاله السابقون لنا في أزمة رواية (آيات شيطانية)، وهو نفسه ما قلناه كلنا برغم اختلافاتنا أيام أزمة الفيلم الأمريكي المسيئ للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو نفس ما قلناه أيام تفجير مقر صحيفة شارلي أبدو قبل سنوات، وما نقوله بعد قتل أهم رساميها، وأظننا دون رجم بالغيب، سنقوله في المستقبل، حين يحدث رد فعل مشابه ضد هذه صحيفة هنا أو قناة هناك، إذا قررتا التضامن مع الرسامين القتلى بإعادة نشر رسوماتهم.

صدقني، ليس بي بلاهة تجعلني أتصور إمكانية حسم قضايا شديدة التعقيد، كعلاقة شعوبنا المسلمة بحرية التعبير وأسقفها، أو توقفها عن تحويل مقدساتها لوسائل للعراك مع الكون، لتصبح وسائل للإرتقاء بأحوالها المزرية بشكل يجلب لها احترام الذات قبل احترام العالم لها، فكل ما أتمناه قبل تجريم التمني، أن نتوقف ولو قليلاً، عن العيش داخل هذه المتاهة الاختيارية المهينة، التي تجعلنا نعيد في بداية القرن الحادي والعشرين، نفس معارك بداية القرن العشرين، ولكن بشكل أكثر دموية وانحطاطاً، لتصبح جرجرة الكاتب أو الفنان إلى المحكمة، حلماً ألطف بكثير من قطع رأسه أو غرز خنجر في رقبته على أيدي مهاويس نصبوا أنفسهم ظلاً مزعوماً لله على الأرض.

لا يا عزيزي، لست أهطل، لكي أتوقع ممن لا يجد لذته إلا في القتل أن ينقطع عن تلك اللذة، ولست أتوهم أن من جرب شغف الحسم بالقتل سينبذه، ليصبر على عناء الحوار والجدال واثبات الحجة، فقط أسأل: هل يمكن أن أتوقع من مدعي الثقافة الذي يرفض القتل، ثم يتنحنح ويتحتجل ويقوم بتبرير القتل بكلام مزوّق محفلط، أن يفهم خطأ تبرير القتل بالنحنحة تحت أي ظرف أو أي مبرر، لعله على الأقل يصعب مهمة من سيتنحنح بالمبررات حين يتعرض للقتل ظلما وعدوانا؟ هل أتوقع أن يصارح أهل القلم والرأي بيننا باقي أبناء أوطانهم، بأنهم لن يتمكنوا بعد الآن من الجمع في نفس الوقت بين القول بأنهم ضحايا لتآمر العالم عليهم، والشكوى من تأخر العالم عن مساعدتهم وعونهم، والاعتقاد أنهم أسياد العالم وخلفاء الله على الأرض ومحتكرو دخول جنته؟

هل أنتظر ممن يستخدم منجزات الحضارة الحديثة أن يفهم أننا لن نستطيع ممارسة الفهلوة الأزلية، بأن نستفيد من منجزات تلك الحضارة في الطب والعلوم والتكنولوجيا، في حين نقرر أن نعيش سياسياً وثقافياً ودينياً في العصور القديمة التي تسود فيها لغة قطع الرقاب والأيدي والأرجل لكل من يختلف معنا لأنه يفسد في الأرض؟ هل يمكن أن يفهم خريجو مدارسنا وجامعاتنا قبل غيرهم ممن لم ينالوا حظ التعليم، أن معيار التحضر والإيمان بحرية الرأي هو أن لا تقتل أو تقمع من يردد رأياً يغضبك أو يزعجك، لأن عدم قتلك أو قمعك لصاحب الرأي الذي يسعدك أو يريحك لا يعول عليه أبداً في اعتبار أنك متحضر تؤمن بالحرية وتقبل الاختلاف في الرأي؟

هل أتوقع أن يخجل من تناقضه المهين من يدين قتل الأبرياء في فرنسا ويفرح به ويباركه حين يقع ظلماً وعدواناً في مصر وسوريا وغيرهما؟ هل أتوقع أن يدرك معلقوا السوشيال ميديا وكتاب الصحف وضيوف برامج التوك شو أن ما ينتقده كثير منهم من تناقض العالم الغربي ونفاقه في التعامل مع جرائم اسرائيل وأمريكا، هو نفس ما يبارك أغلبنا ممارسته في أوطاننا، حين نصفق لقمع المختلفين معنا ونثور حين نكتوي بنار الظلم والقمع؟ هل أتوقع أن يدرك كل المتطرفين من كل الإتجاهات والتيارات، أنه لن تنجح أي قوة منظمة سواءً كانت قوة عسكرية أو دينية في حسم خلافاتها مع الآخرين بالحديد والنار؟ وأن كل محاولة يقوم بها أي طرف، لإثبات أنه الإستثناء لتلك القاعدة، ستثبت فشلها بعد دفع أثمان باهظة، يمكن لنا تجاوزها بالتعلم من تجارب الآخرين المريرة الدامية؟

للأسف، لست أملك في مواجهة كل الواقع "الغائطي" المحيط، إلا هذه الأسئلة التي لا يفصلها عن استحقاق وصفها بالسذاجة، إلا معرفتي المسبقة بأن الإجابة عليها جميعاً هي "لا"، وكل ما في الأمر أنني حين جهرت بها، عبرت بها عن حزني وقرفي، وربما ساعدك الجهر بها على التفكير فيها، لعلك تتفق أو تختلف معي في التعبير عن حزنك وقرفك منها، أو من سائلها، ومع ذلك فلا أظنك مهما اختلفت معي، ستنكر أننا لو لم نقرر مواجهة أنفسنا ومراجعة طريقة تفكيرنا في التعامل مع الكون ومع أنفسنا، سيأتي علينا حينٌ قريبٌ من الدهر، سنكرر فيه كل ما قلناه الآن وبالأمس وقبل الأمس، لينطبق علينا المثل الشعبي القديم: "عَلِّم في المتبلِّم يصبح ناسي"، مع اختلاف بسيط هو أننا لا نمتلك رفاهية المتبلم في اختيار النسيان، ولن ننال حظ الهروب من دفع أثمان التأخر في التغيير، والتي يهون إلى جوارها، كل ما دفعناه من قبل. 
وعلى الله قصد السبيل.