فرصة المهاجرين في ألمانيا للتحول الديمقراطي

19 سبتمبر 2020
الصورة

مهاجرون قرب خيام في منطقة شباندو في برلين (7/9/2015/Getty)

كانت ولاية شمال الراين في ألمانيا على موعد، يوم 13 سبتمبر/ أيلول الجاري، مع استحقاق انتخاب مجالس الإندماج في مدن المقاطعة إلى جانب الانتخابات البلدية. ومجلس الإندماج الذي يعرف كذلك بالمجلس الإستشاري للأجانب ھیئة استشاریة، یتم انتخابھا لولایة خمس سنوات، وهو يمثل مصالح المقيمين الأجانب والمواطنين من أصول مهاجرة في البلديات والجمعيات البلدية، ويؤدي دوراً رقابياً في اللجان والهيئات الألمانية. كذلك تقدّم هذه المجالس المشورة لأجهزة البلدية في أمور المقيمين الأجانب. تم إنشاء المجالس الاستشارية الأولى للأجانب في بداية السبعينيات بقرارات بلدية، استجابة للعدد المتزايد من المقيمين الدائمين من المهاجرين. وأسندت مهمة تشكيل مجالس الإندماج المحلية إلى البلديات صيغة ملموسة للإدارة الذاتية المحلية بموجب قانون الولاية، حتى يكون الأجانب الذين يعيشون في ألمانيا قادرين على المشاركة في عمليات صنع القرار المحلية.

فشل تحول كثير من شعوبنا العربية إلى الآلية الديموقراطية

في الدورة الحالية من الانتخابات، تبدو بارزة في بعض المدن مشاركة الجاليات العربية، بفعل استقرار لاجئين كثيرين قادمين من سورية تحديداً. وهذا الإقبال على الترشح للدخول في مجلس الإندماج ظاهرة حسنة، تدلّ على الانخراط في الدورة الديموقراطية في المجتمع الألماني، وعلى الإرادة في المشاركة السياسية الفعالة ضمن الإطار المتاح لهذه الفئة من المقيمين في ألمانيا، نظراً إلى أن حق التصويت للمجالس البلدية غير متاح لغير حاملي الجنسية الألمانية. غير أن الملاحظ كذلك في هذه الدورة أن التهافت على الترشح للانتخابات عند متحزّبين في بلادهم الأصلية لا يعكس سوى رغبة في إسقاط الاصطفافات السياسية نفسها هناك على الساحة الألمانية، فالانقسامات الطائفية والقومية والعقائدية، والفرز بين موالاة ومعارضة، يلقيان بظلالهما على لوائح المرشحين في بعض المدن، حتى إنّ مقاربات استقطاب الأصوات تعتمد، أحياناً، على ممارسات مستمدّة من طريقة الانتخابات في بلاد الأنظمة الديكتاتورية والقمعية. ونرى في هذه الظاهرة فشل تحول كثير من شعوبنا إلى الآلية الديموقراطية، فبدل التعلم من النظام السياسي الألماني الذي يضمن حقوق المواطنين، ويخضع لإرادتهم ومحاسبتهم، يفضّل هؤلاء بث ترسبات أنظمة الفساد والتهويل، أو حتى استخدام أساليب الضغط الاجتماعي، من حيث المحسوبيات العائلية أو القبلية أو ورقة العصبية لجماعة أو فئة معينة. إلى جانب ذلك، يسود الاعتقاد بأن الدخول إلى مجلس الاندماج نوع من الوجاهة، ويعود بالمنفعة المادية، حتى إن صوت المرأة تتم محاولة السيطرة عليه في بعض الحالات، سواء لجهة الترشح أو لجهة التصويت.

إعادة إنتاج مجتمعات مصغّرة، تكون صورة لمجتمعاتنا التي فررْنا منها

تداعيات مثل هذه التصرفات هي إعادة إنتاج مجتمعات مصغّرة، تكون صورة لمجتمعاتنا التي فررْنا منها، تعيش بموازاة المجتمع الألماني، وتفشل في الإندماج معه من ناحية المشاركة في صنع القرار وحمْل المسؤولية السياسية المحلية. ويفتح هذا الأداء الباب لكل من هم معادون للأجانب على الساحة الألمانية، خصوصاً في ظل تنامي نزعة اليمين المتطرّف، والذين يتحيّنون مثل هذه الفرص لاتهام جاليات المهاجرين بزعزعة أسس الديموقراطية والحرية في البلاد. مع العلم أن الأحزاب الألمانية تكون، في بعض الحالات، داعمة لهؤلاء المرشحين، بغرض السيطرة على مساحة الاستقلالية التي يتيحها مجلس الإندماج في تسيير شؤون الأجانب. وبالنسبة لآخرين، تكون هناك محاولة لدعم مرشحين ضعفاء، حتى يبقى المجلس ضعيفاً، فتسهل عملية التحكّم به. 

تنتصر عند كثيرين العقلية التبعية التي ما زالت تخضع لفكرٍ دمّر الشعوب وشتتها

مع الأسف، لا يتمتع المهاجرون القادمون من مناطق الشرق الأوسط بالثقافة السياسية الديموقراطية المطلوبة، فليسوا كغيرهم من أجانب البلاد الأوروبية المستقرّين في ألمانيا، الذين يتحرّون عن الأشخاص المرشحين، ويقررون لمن تذهب أصواتهم بناء على الجدارة والكفاءة والقدرة على خدمة شؤون الأجانب. بل هم ما زالوا "يبيعون" أصواتهم لابن البلدة وابن الطائفة وأتباع الحزب الفلاني الذي كان يهيمن على القرية على بعد آلاف الكيلومترات. وحتى بعد محاولات التوعية والشرح المطول أولاً عن أهمية الإدلاء بالأصوات في هذه الانتخابات حقاً مقدّساً في الدولة المدنية والمنظومة الديموقراطية، وعن ضرورة اختيار من يستطيع أن يمثل مصلحة المهاجرين، وخصوصاً التحاور مع السياسيين الألمان، لغةً وفكراً، إلا أنه، في الختام، تنتصر عند كثيرين العقلية التبعية التي ما زالت تخضع لفكرٍ دمّر الشعوب وشتتها. هؤلاء الذين يصوّتون اليوم لمجلس الإندماج سيكون كثيرون منهم من حاملي الجنسية الألمانية في الدورة التالية من انتخابات البلديات بعد خمسة أعوام، فخطر الاستمرار بحمل رواسب الأفكار البالية بات يهدّدنا، حتى ونحن في البلاد الذي لجأنا إليها لنتخلّص تحديداً من هذه الآفات. 

لا بدّ من البدء بعلاج هذه المشكلة، حتى لا يتكرّر مصير هذه الشعوب بسلب الإرادة في الاختيار السياسي الحر. ومن واجبنا جميعاً المشاركة في تحرير العقول من شبح الأوصياء على حقوق الأفراد، بالتوعية بمفاهيم المواطنة وأركانها، نحن الذين خضنا، في السابق، طريق الهجرة والغربة، وتعلمنا كيف يمكن أن تعمل الدولة والمؤسسات فيها لمنفعة مواطنيها، على الرغم من كل الثغرات. 

رنا سبليني
رنا سبليني