غازلات الصوف في تونس

02 ابريل 2017
الصورة
مهمة يومية متعبة (العربي الجديد)
تدير المغزل في خفة وتفتل خيوطاً رقيقة من الصوف الأبيض. تبدأ عملها منذ ساعات الصباح الأولى وحتى غروب الشمس. هو عمل تتقنه فاطمة ذات الستين عاماً مذ كانت طفلة في العاشرة. تنجز كلّ يوم نحو كيلوغرام واحد من الخيوط لبيعها بما يعادل 10 دولارات أميركية لمن يصنعون المفارش والأغطية.

في ما مضى، لم تكن فاطمة تبيع ما تغزله من الصوف، بل كان لحاجة المنزل. لكنّها اليوم مضطرة إلى ذلك لتوفير المال لمعيشتها. عن تاريخها الطويل في الحرفة تقول: "يتوجب على كلّ فتاة في قريتي أن تتقن غزل ونسج الصوف، لأنّها إحدى مهام المرأة الرئيسية في البادية".

لكنّ مشهد غازلات الصوف بات شبه مندثر في تونس اليوم، ومن النادر أن ترى فتاة أو امرأة تونسية تعمل في هذه الحرفة. بات مشهداً استعراضياً، في الغالب، تعتمده بعض المهرجانات أو الاحتفالات الوطنية التي تعرض الحرف التقليدية لبعض الجهات الداخلية في تونس. مع ذلك، فإنّ بعض القرى ما زالت فيها نسوة قليلات متمسكات بحرفة غزل الخيوط. وخارج المعارض، باتت هذه الخيوط تستعمل في كثير من الأحيان لصنع بعض القطع التذكارية أو الزينة التي تستخدم في الترويج لتراث البلاد عبر بيعها في أسواق المدن العتيقة للسياح خصوصاً.

يعتمد الغزل على صوف الأغنام بشكل أساسي، وعلى أدوات بسيطة هي المغزل والنير والمنسج والمشط التي يصنع أغلبها من الأغصان. ويغزل الصوف بفتله خيوطاً بواسطة المغزل. والمغزل آلة خشبية يدوية الاستخدام طولها 20 سنتيمتراً، وفي رأسها دولاب يلف الصوف عليه ويغزل إلى خيوط مختلفة السُمك لاستخدامها في صنع المفارش والأغطية وحتى الملابس الصوفية.

عربية (60 عاماً) من منطقة توزر في الجنوب التونسي، تشير إلى أنّ غزل الصوف يدوياً ما زال حرفة تتوارثها نساء القرى والأرياف جيلاً بعد جيل خصوصاً في الجنوب والشمال الغربي، فلا يمكن الاستغناء عنها في تلك المناطق. تشير إلى أنّ الفتاة ما زالت تتعلم منذ بلوغ الثانية عشرة كيفية غزل الصوف واستخدام المشط والمغزل، خصوصاً أنّ أغلب ما تستهلكه العائلات في تلك الأنحاء من مفارش وأغطية يدوية الصنع يعتمد في الأساس على الصوف بسبب البرودة الشديدة للطقس. تضيف عربية بخصوص موارد وأدوات الحرفة، أنّها في اعتمادها الأساسي على صوف الأغنام فإنّه يُجمع وتنظفه النساء وينتفنه ويمشطنه. بعد ذلك يجري تحويله إلى لفائف من الخيوط الخشنة. هذه اللفائف تستخدم في الغزل في ما بعد، إذ تعمل النساء على تحويلها إلى خيوط بدرجات سُمك مختلفة.

ما زالت النساء الكبيرات في السنّ من البادية يحتفظن بطريقة صنع وغزل الصوف، ويعلّمنها لفتيات القرى بالرغم من تطور صناعة النسيج واستخدام موارد مختلفة بعيدة عن صوف الأغنام. وبقيت عادات القرى تفرض على أغلب الفتيات خصوصاً من يتركن المدرسة. وبذلك، يتعلّمن كلّ مراحل غزل الصوف بدءاً من عملية جزه، وصولاً إلى إنتاج الخيوط والأقمشة والسجاد، لأنّ ذلك يمثل مصدر دخل هاما للأسرة تؤمّنه عبر المرأة تحديداً.


تجتمع نساء البادية في خيمة لغزل الصوف وصبغه بألوان مختلفة، وذلك بعد قضاء شؤون البيت. لا يتنازلن عن هذه الحرفة خصوصاً مع غلاء بعض الخيوط التي يباع الكيلوغرام الواحد منها بأربعين دولاراً تبعاً لجودتها المرتفعة وصبغها بألوان طبيعية.

لكنّ عدد من يحافظن على الحرفة أو من يقبلن على تعلّمها من الصغيرات قليل. بدورها، تعلمت سعيدة (28 عاماً) الغزل من جدّتها مذ كانت في السابعة بعد تركها المدرسة. وبالرغم من قضائها وقتاً طويلاً في الغزل يدوياً لتحصيل كمية بسيطة من الخيوط يومياً إلا أنّها توفر مدخولاً مهماً، خصوصاً أنّها تبيع ما تنتجه لبعض المتاجر التي تصنع البرنس (زي صوفي) لتصديره إلى دول الجوار التي تقبل على الصناعات التقليدية التونسية.

تجمع سعيدة الصوف بعد عيد الأضحى، لأنّها لا تملك رؤوس الماشية الكافية التي قد توفر لها صوفاً يكفي إنتاجها السنوي من الخيوط. تقول إنّها تجمع الجلود من العائلات بعد عيد الأضحى من دون مقابل، فتجزّ الصوف وتنظفه وتمشطه بنفسها. ثم تصبغه بألوان تعتمد فيها مواد طبيعية لتغزل خيوطاً مختلفة الألوان والسُمك".

وبالرغم من أنّه عمل متعب كما تقول، لكنّها علّمت بعض فتيات القرية، لا سيما مع افتقار المنطقة إلى فرص العمل، حرفة الغزل. يحاولن اليوم تطوير الحرفة عبر إنتاج قطع ديكور تقليدية وعرضها في الأسواق التراثية في المدن التونسية.