عن سحر نصر وتهاوي الاستثمارات الأجنبية

01 أكتوبر 2019
الصورة
انحسار الأضواء عن وزيرة الاستثمار (خالد الدسوقي/ فرانس برس)


لا أعرف سر انحسار الأضواء عن وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي المصرية سحر نصر خلال الفترة الماضية، وهي التي كانت المرشحة الأولى لتولي منصب رئاسة الوزراء في التعديل الوزاري الأخير وقبل الأخير.

ولا أعرف سر تراجع المساحات المخصصة لها في وسائل الإعلام، حيث كانت أخبارها ولقاءاتها مع مسؤولي المؤسسات الدولية وسفرياتها، وأحيانا أزياؤها وحياتها العائلية، تملأ الصحف والفضائيات ومواقع الإنترنت.

ولا أعرف لما توارت تصريحات سحر نصر النارية التي كانت تؤكد فيها وجود طوابير من كبار المستثمرين الدوليين على أبواب مصر، كما تعد فيها بجذب استثمارات خارجية بقيمة 20 مليار دولار سنويا، وتؤكد أن مصر سوق واعدة أمام الأجانب، وأن البلاد احتلت المرتبة الأولى أفريقياً من حيث تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر.

هل اقتنعت الوزيرة أخيراً بالنظريات الاقتصادية التي تعلمتها في الجامعة الأميركية بالقاهرة وتقوم بتدريسها للطلبة والتي تقول إن جذب استثمارات أجنبية يحتاج إلى استقرار سياسي حقيقي لا مفتعل، وأن مرور أي دولة بحالة انقسام مجتمعي حادة تقلق المستثمر المحلي قبل الخارجي، وأنه لا استثمارات مع المتاجرة ليل نهار بقضية الإرهاب، وتصوير مصر على أنها تقاوم هذا الوباء السرطاني نيابة عن كل دول العالم.

هل اقتنعت سحر نصر بأن زمن نجاح الأنظمة الديكتاتورية في جذب استثمارات خارجية ضخمة قد ولى إلى غير رجعة، وأن الدول التي تخنق المناخ الديمقراطي ولا تحترم المعارضة السياسية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير لن تنجح في إقناع المستثمر الخارجي بالقدوم إليها.
هل أدركت الوزيرة أن الحكومات التي تمنع المظاهرات السلمية بالقوة وتعتقل نحو ألفي مواطن في أيام معدودة لن تقنع أحداً بجديتها في الإصلاح الاقتصادي، وأن الاستقرار الهش الذي يهتز
بسبب دعوة شخص واحد فقط لمظاهرة لن يجذب الاستثمارات الأجنبية، وأن النظام الذي يستنفر كل قواته للرد على احتجاج سلمي لن يصنع تنمية حقيقية. 

هل تعلم الوزيرة أن الاستثمار الحقيقي للدول والحكومات هو في البشر، خاصة الشباب، الذين يتم اعتقالهم لمجرد تعبيرهم عن رأيهم بسلمية وتحضر، ثم تأتي بعد ذلك المصانع والمشروعات الإنتاجية والخدمية والتي قد لا تحظى باهتمام من الأصل من قبل السلطة الحاكمة.

هل تدرك سحر نصر أن الفساد وركود الأسواق وزيادة كلفة الإنتاج ورفع سعر الغاز والكهرباء والضرائب والجمارك يطرد الاستثمارات ويغلق المصانع ويشرد العمال، وأن قتل القطاع الخاص وسيطرة المؤسسة العسكرية على المشهد الاقتصادي يرعبان أي مستثمر، وهل تدرك أن الاستثمارات الموجهة لمشروعات التنقيب عن النفط والغاز لا توفر فرص عمل ولا تخلق قيمة مضافة.

على الوزيرة أن تتأمل الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري، أول من أمس الأثنين، والتي كشفت عن حدوث تراجع حاد في صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بنحو 1.8 مليار دولار، وبنسبة انخفاض بلغت 23% خلال العام المالي 2018/ 2019، مسجلًا 5.902 مليارات دولار، مقارنة بـ7.719 مليارات دولار في العام المالي السابق له 2017/ 2018.
عليها أن تقرأ بيانات البنك المركزي الصادرة في شهر ابريل/ نيسان الماضي والتي تكشف أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر هبط نحو 24.55% إلى 2.8 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2018-2019، رغم حديث الحكومة المتواصل عن جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية ووعود من مستثمرين بضخ مليارات الدولارات في شرايين الاقتصاد.

على الوزيرة أن تواجه نفسها بحقيقة هي أن الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع غير النفطي شهد انخفاضا لأدنى مستوى له في 5 سنوات خلال الربع الأول من العام الحالي، وأن الاستثمارات زادت في بعض الأوقات بسبب توسع الحكومة في الاقتراض الخارجي وليس لسبب آخر.