عن أيّ طقوس تسألون في سورية؟

عن أيّ طقوس تسألون في سورية؟

14 مايو 2018
الصورة
في حافلة التهجير (نذير الخطيب/ فرانس برس)
+ الخط -
يبدو أنّ عشرات آلاف المهجرين من العاصمة السورية دمشق وريفها وريفي حمص وحماة، سيستقبلون شهر رمضان بعيداً عن منازلهم وأهلهم هذا العام، في ظل مشاكل وتحديات كثيرة، كالسكن والاندماج والعمل. ويقول الأربعيني أبو محمد، المهجر من ريف دمشق، لـ "العربي الجديد": "سرقوا منا كل شيء يبعث الفرح في نفوسنا، حتى شهر رمضان، الذي أصبح يشبه بقية أشهر السنة، لم نعد نعيش طقوسه"، موضحاً أن "شهر رمضان كان مناسبة لالتقاء أفراد العائلة. أما اليوم، فباتت غالبية العائلات مشتتة بين الداخل والخارج، هذا إذا لم تكن قد فقدت أفراداً منها، عدا عن المعتقلين أو المختفين قسرياً. هكذا يتحوّل شهر رمضان إلى مناسبة لتذكرهم أكثر والدعاء لهم بالرحمة والفرج".

يتابع أبو محمد: "لم أتحدث مع عائلتي عن شهر رمضان، وإذا ما كان ثمة تحضيرات لا بد منها. لا يمكن أن نعيش طقوس رمضان القديمة، فلا الوضع المادي يسمح ولا النفسي".

من جهته، يقول الناشط الإعلامي براء عبد الرحمن (25 عاماً)، الذي هُجّر مؤخراً من الغوطة الشرقية في ريف دمشق، لـ "العربي الجديد": "منذ 25 عاماً، وعلى الرغم من سنوات الحصار والموت التي عشناها في الغوطة الشرقية، لم أشعر بالسوء كما اليوم. كأنني طفل يتيم خسر أباه وأمه وهجّر من منزله ومدينته". ويدعو الله بـ "الفرج خلال هذا الشهر الفضيل. ما زلت أبحث عن عمل أعتاش منه من دون أن أوفق حتى اليوم. الوضع هنا مأساوي إلى أبعد حد، والحياة صعبة، في ظل ارتفاع عدد المهجرين. بعض الناس يطلبون 200 دولار أميركي بدل إيجار منزلهم، علماً أن عائلات في عدد من القرى منحت بيوتها لمهجرين مجاناً".



من جهتها، تقول أم هاني (50 عاماً)، المهجّرة من ريف دمشق، لـ "العربي الجديد": "هذا أول شهر في رمضان يمر عليّ خارج منزلي منذ 30 عاماً. أشعر بغصة كبيرة، وأشتاق لأواني المطبخ الخاصة بحلويات رمضان، على الرغم من أنني لم أستخدمها منذ نحو خمس سنوات، إلا أنها كانت تمنحني الأمل". تضيف: "أعتقد أنني لن أجتمع بشقيقتي التي سكنت في منطقة تبعد عنا نحو 50 كيلومتراً، إذ إن بدل المواصلات مرتفع جداً. التنقل محصور بالأغنياء أو المضطرين". وتوضح أن أفراد عائلتها وعائلة زوجها قد تشتتوا على طول وعرض شمال سورية "إن وجد شخص منزلاً أقام فيه، ثم يسعى إلى إيجاد عمل".

تشعر أم هاني بالوحدة، هي التي تعيش في قرية صغيرة اليوم. لم تتعرف على جميع جيرانها، فالقرية تبدو معظم الوقت خالية من السكان. وهذه أزمة جديدة. "كنا نعيش في مدينة مليئة بالحركة والحياة". وأم زكريا (43 عاماً)، المهجرة من ريف دمشق، تشعر بأن شهر رمضان فقد "رهجته". تقول لـ "العربي الجديد": "منذ سنوات، لم يعد لشهر رمضان ما يميزه عن بقية أشهر السنة. سابقاً، كان يتميّز بزيادة ممارسة الشعائر الدينية، والصيام، ولقاء الأهل والأحبة. منذ نحو خمس سنوات، باتت الصلاة والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن ملجأنا الوحيد في ظل القصف والحصار والمرض والموت".

تتابع أم هاني: "حتى الصيام لا يفارقنا. عشنا سنوات متتالية لا نتناول فيها طوال اليوم الواحد أكثر من وجبة واحدة، عبارة عن القليل من الأرز أو البرغل أو العدس. وفي أيام الصيف، قد نحصل على قليل من الخضار التي تزرع داخل المناطق المحاصرة. اليوم، لا يسمح وضعنا المادي بأن نحصل على أكثر من واجبة واحدة. وما يزيد من حرقتنا هو حين يسألنا طفل عن نوع من الخضار أو الفاكهة لم يسبق له أن رآه أو تناوله".



بدوره، يسأل أبو وسام (28 عاماً)، وهو مهجّر من ريف دمشق إلى عفرين في الشمال السوري، خلال حديثه لـ "العربي الجديد": "أي تحضيرات لشهر رمضان إن كانت الناس لم تستقر بعد؟ الهمّ الرئيسي لمعظم الناس هو تأمين سكن. العيش في المخيمات سيئ جداً. وفي حال وجد أحدهم منزلاً، قد يطرد منه، وهناك عائلات طردت أكثر من مرة". يضيف: "المشكلة الكبرى هي عدم توفر عمل، ما يعني أن العائلات تعجز عن تأمين احتياجاتها اليومية. وأعتقد أن العائلات لا تستطيع الصمود لفترة طويلة في ظل هذا الوضع"، لافتاً إلى أن "كثيرين عادوا إلى مخيمات اللجوء للنوم في خيمة، والحصول على وجبة غذاء في اليوم، وإن كانت عبارة عن معلبات. لكن هذا يريحهم من تحمل كلفة السكن والطعام. ويمكن أن تقدم الوجبة عند مغيب الشمس وليس الظهيرة".

ويبيّن أبو وسام أن "المنطقة تعاني من فقر شديد، والمنظمات المدنية والإنسانية الموجودة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، ما يزيد من سوء الأوضاع الإنسانية. حتى اليوم، لم أسمع عن منظمة تملك مشروعاً خاصاً برمضان كمطبخ رمضان الذي كان يطلق في المناطق المحاصرة ليقدم وجبتي السحور والإفطار".