عندما ينعت أردوغان "الحشد الشعبي" إرهابياً

29 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
وصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في مقابلة مع قناة الجزيرة، الحشد الشعبي بـأنه تنظيم إرهابي، واتهم إيران بالوقوف وراءه، محذرا من سياساتها "التي أصبحت تؤلمنا في العراق. مثلا، من هؤلاء في الحشد الشعبي؟ من الذي يدعمهم؟ البرلمان العراقي يؤيدهم، ولكنهم بصراحة منظمة إرهابية، ويجب النظر إلى من يقف وراءهم".
هل الرئيس التركي جاد في كلامه، وهل ستعقب هذا الموقف ترجمة عملية سريعة باتجاه إدراج الحشد الشعبي على لائحة التنظيمات الإرهابية التي أعلنتها تركيا رسمياً، أم هو مجرد موقف سياسي لا أكثر، فرضته أجواء المرحلة على شكل رسالةٍ انتهى مفعولها، بعد ساعاتٍ على إعلانها؟ وهل الرئيس التركي على استعدادٍ لتحريك الملف القانوني، في توصيف الحشد إرهابيا، والدخول في مواجهة مع الحكومة العراقية التي تبنت التنظيم قوةً عسكرية تابعة للمؤسسة الأمنية العراقية، كما صرح بذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي؟ وهل ستغامر أنقرة بأمنها واستقرارها وحساباتها الإقليمية، إذا ما اتخذت قرارا من هذا النوع، أم أن في إدراج الحشد على لوائحها الإرهابية رسالةً إقليمية ودولية تعني إيران والولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأولى، وهي جاهزةٌ للمجازفة باتخاذ موقفٍ حساس من هذا النوع؟
قرار البرلمان العراقي الذي ثبت الحشد الشعبي قوة رديفة للقوات العراقية واكبته دعوة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، الرئيس التركي إلى عدم التدخل في شؤون العراق الداخلية، فتخوفات تركيا، كما يقول، غير مبرّرة، لأن قوات الحشد أصبحت قوات رسمية منضبطة، وتحركاتها تتم بتوجيهاتٍ من القائد العام للقوات المسلحة. فلماذا يصر أردوغان على موقفه حيال التنظيم، وهو يتابع ردود فعل القيادات العراقية في بغداد؟
المعروف أن الرئيس التركي كرّر، مرّات، مواقف مشابهة في العامين الأخيرين، ركز فيها
 على وضع هذا التنظيم في حالةٍ مشبوهة بشأن غايته وأهدافه في العراق وخارجه، وهو وصل في قناعته هذه، كما نفهم، من خلال ما يقدّم له من تقارير ومعلوماتٍ عن تورّط الحشد بارتكاب جرائم بحق مدنيين في تكريت والفلوجة والموصل وتلعفر والأنبار وصلاح الدين. والواضح أن أردوغان وصل إلى قناعته هذه بعد تمسّك وحدات الحشد في تحدي الوجود التركي في بعشيقه، وإطلاق تحذيرات كثيرة، أنها ستستهدف الجنود الأتراك هناك.
ثم ما أقلق أنقرة كذلك كان قرار إرسال قوات الحشد إلى جبل سنجار، حيث تتمركز مجموعات حزب العمال الكردستاني الذي يريد تحويل المكان إلى قنديل آخر. احتمالات التنسيق العسكري والسياسي بين الحشد وحزب العمال الكردستاني من جهة، ومحاولات الدخول إلى تلعفر ذات الأغلبية التركمانية من جهة أخرى بين ما أزعج تركيا وأغضبها أيضا.
مشكلة تركيا كذلك هي مع لاعبيْن، إقليمي وآخر دولي، هما إيران وأميركا، اللذان يحاولان سحب البساط من تحت أقدامها في سورية والعراق.
ما يثير أردوغان ليس فقط سماعه أصواتاً عراقية تردد أن إيران أعدّت الحشد الشعبي ليكون سيفاً إيرانياً لتقطيع العراق وتغيير هويته، بل محاولة لعب ورقة هذا التنظيم ضد تركيا وسياساتها ومصالحها في المنطقة برمتها. احتمال حدوث تفاهمات إقليمية جديدة برعاية إيرانية على حساب أنقرة تظهر إلى العلن عبر محاولة إيرانية لجمع ثلاث قوى محلية، هي الحشد الشعبي وقوات سورية الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني، تحت علمها، للإمساك بخيوط اللعبة في سورية والعراق، سيناريو لا يمكن استبعاده تركيّاً.
يحاول أردوغان إقناع واشنطن بأن تغير رأيها في الحشد الشعبي، ووضعه على مسافة واحدة من الوحدات الكردية في سورية وحزب العمال الكردستاني، لكنه يعرف جيدا صعوبة الوصول إلى ما يريده، إذا لم يكن ذلك مستحيلا. لن تفرّط واشنطن بتكتلٍ من هذا النوع، ليكون في خدمة مشروعها السوري العراقي لمحاربة تنظيم داعش، وآخر همها الغطاء القانوني والسياسي الذي وفرته طهران للحشد بإقرار قانون استباقي يعرقل الأهداف التركية، ويطمئن الإدارة الأميركية الجديدة أن نفوذها في البلدين مضمون تحت الحماية الإيرانية التي هي أقوى من النفوذ التركي المتخبط في شمالي العراق وسورية.
هناك قلق تركي متزايد من احتمال وجود تفاهمات أميركيه إيرانيه أعقبت التفاهمات النووية قبل
ثلاثة أعوام، فالمشروع الأميركي خلال حكم الرئيس أوباما كان يقضي باستمرار الفوضى في العراق وسورية، طالما أن واشنطن غير قادرة على التأثير وفرض ما تريده هناك. إحدى أهم أدوات الخطة الأميركية الإيرانية هي تفعيل دور الحشد الشعبي على أكثر من جبهة كما يظهر. هذا من دون أن ننسى إعلان الحشد عن استعداده للانتقال إلى سورية، إذا ما تلقى دعوة من النظام في سورية لمحاربة "داعش". فهل هو سينسق فعلا مع النظام أم مع الوحدات الكردية هناك لتضييق الخناق على تركيا في شمالي العراق وسورية؟
قلق تركي آخر من احتمال حدوث تفاهم بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة "غُوران" اللذين يسهلان لحزب العمال ممارسة أنشطته بكل حرية في مناطقهم. هل هذا التحرّك يتم عبر تفاهم مباشر مع إيران من خلال إدخال وحدات الحشد الشعبي في خطة ضرب التقارب التركي مع الحزب الديمقراطي، المحسوب على مسعود البرزاني في أربيل، بهدف قلب كل المعادلات التي بنتها أنقرة مع أربيل في السنوات الخمس الأخيرة. لا يمكن لإيران سوى أن تردّ مباشرةً بعد هذه الساعة على التصعيد التركي على جبهتَي الشمالين في سورية والعراق، الذي يعرقل تقدّم المشروع الإيراني في البلدين. لكننا لا نعرف حتى الآن موقف طهران الحقيقي من مسألة رفع العلم الكردي فوق المؤسسات الرسمية في كركوك، والاستعداد لإعلان استفتاء حول مصير المدينة ومشروع الانفصال الكردي عن العراق.
هدف رسالة الغارات التركية في شمالي العراق وسورية المعلن هو تنظيم حزب العمال الكردستاني، لكن الهدف الأساسي هو تحذير واشنطن من أي مشروع تفاهم سري مع طهران على حسابها في سورية والعراق. الغارات التركية أخيرا أبعد من أن تكون كلاسيكية روتينية، إذا ما أخذنا توقيتها وطريقة تنفيذها والأهداف المحدّدة بعين الاعتبار.
تقول تركيا إنها أبلغت واشنطن بالعملية، لكن القيادات العسكرية الأميركية تقول إنها لم تنسق معها في عملية تتم من دون موافقة التحالف الدولي. ما قيل عن زيارة قام بها ضباط أميركيون للمواقع التي استهدفها الطيران التركي في شمال سورية يعقد الأمور أكثر فأكثر في لعبة التحالفات وصراع النفوذ الإقليمي والدولي. وتقول أنقرة أيضا إنها لن تسمح بتحويل سنجار إلى قنديل آخر، لكن الرسالة تعني، قبل ذلك، القوى الإقليمية والدولية التي تنسق مع حزب العمال وقوات سورية الديمقراطية التي توفر لها الدعم اللوجستي والقتالي. هل ستظل موسكو تراقب عن بعد أم أنها ستقول، هي الأخرى، ما عندها؟
يريد أردوغان أن يكون أكثر قوة، وممسكا بمزيد من الأوراق، وهو في طريقه إلى لقاء الرئيس الأميركي، في منتصف شهر مايو/ أيار المقبل، وهذا ما يفعله عند التصعيد ضد أكثر من لاعبٍ محلي وإقليمي، ويوجه التحية إلى ترامب من سنجار والحسكة. وتقول أنقرة إنها أبلغت واشنطن وموسكو وأربيل بالعملية، لكننا لا نعرف ما إذا كانت قد أبلغت بغداد أيضا، وهي قد تكون فرصةً للتقارب وفتح صفحة جديدة من التنسيق والتعاون الثنائي، إذا كانت حكومة العبادي جادة بمواقفها المعلنة، بعد اللقاءات العراقية الخليجية أخيرا. يساهم تسريع عملية القضاء على "داعش"، إلى حد كبير، في تخفيف التوترات الحاصلة بين أنقرة وبغداد. كما أن وساطة عربية حقيقية بين العاصمتين باتت ملحةً وضرورية، فمن سيقوم بها؟