صدر قديماً: "الساق على الساق" واختبار صبر القارئ

27 فبراير 2019
الصورة
مالطا بريشة لويس ليبرتون عام 1859
+ الخط -

ليس أصدق من جهد قارئ يناظر كتاباً انتهى منه، يمعن فيه ويبني عليه ويقارنه بزمانه، فيأخذه إلى آفاق ربما لم تخطر للكاتب نفسه على بال. ويبدو اليوم بديهياً لمن يرغب في قراءة كتاب "الساق على الساق في ما هو الفارياق" لأحمد فارس الشدياق المكتوب عام 1855، أن يقرأ معه كتاب "الحداثة الممكنة" لرضوى عاشور، حيث خاضت معه الناقدة والكاتبة الراحلة مغامرة قرائية فاتنة تضمّنت دراسات في الاستشراق والحداثة والرواية والسيرة بل وفي فن القراءة أيضاً.

يأتي عمل الشدياق، الذي ترى عاشور أنه أول رواية عربية، في أربعة كتب؛ "إثارة رياح" و"دحرجة جلمود" و"إضرام أتون" و"إطلاق بحر" وكل كتاب يبدأ بقصيدة، ويضم عشرين فصلاً، والفصل الثالث عشر من كل واحد هو "مقامة".

تفرد عاشور عدة صفحات في مطلع كتابها لتفسير اسم الكتاب، فنعرف أن الفارياق (ابن النحس) هو الشخصية الأساسية في الرواية (يصح القول إنها سيرة روائية أو ما يعرف اليوم بـ"أوتو-فكشن") وهو اسم مشتق من اسم الكاتب الأول ولقب عائلته (فارس والشدياق).

ويذهب الكاتب إلى تأويلات عجائبية للاسم، في لعبة مع القارئ واستفزاز لعملية التلقي نفسها، فيخلق حول الفارياق أساطير سابقة لوجود الكتاب بينما هو صنيع لحظته. يقول: "ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﻋﻠﻰ ﻗﺺ ﺃﺧﺒﺎﺭ الفارياق ﻭﻋﻠﻢ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ، وقد بلغني أن كثيراً من ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻧﻜﺮﻭﺍ ﻭﺟﻮﺩ ﻫﺬﺍ المسمى فقالوا إﻧﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﻐﻮﻝ ﻭﺍﻟﻌﻨﻘﺎﺀ. ﻭﺑﻌﻀﻬﻢ ﻗﺎﻝ إنه ﻇﻬﺮ ﻣﺮﺓ في اﻟﺰﻣﺎﻥ ثمّ ﺍﺧﺘﻔﻰ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻴﺎﻥ. ﻭﺫﻫﺐ غير ﻭﺍﺣﺪ إلى أﻧﻪ ﻣﺴﺦ ﺑﻌﺪ ﻭﻻﺩﺗﻪ ﺑﺄﻳﺎﻡ، ولم يعلم ﺑﺄﻱ ﺻﻮﺭﺓ ﺗﻠﺒﺲ وإلى ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﺍﺳﺘﺤﺎﻝ. ﻭﺯﻋﻢ ﻗﻮﻡ ﺇﻧﻪ ﺻﺎﺭ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ ﺍﻟﻨﺴﻨﺎﺱ. ﻭﻗﺎﻝ غيرهم ﺇﻧﻪ ﺻﺎﺭ ﻣﻦ الجن".

أما تعبير "الساق على الساق" فله تأويلات مختلفة؛ منها شدة القسوة والصعوبة، فقد ألّف الكاتب عمله هذا في ظروف عاثرة من ضيق ذات اليد والعطالة عن العمل والاغتراب والوحشة بعيداً عن زوجته العليلة وابنيه المريضين، وعيش في غرفة ضيقة بائسة في باريس كان عليه صعود مئة درجة قبل أن يصل إليها، وقد خصّص رباعيات في وصفها تخللت الكتاب أطلق عليها "الغرفيات".

من التأويلات الأخرى أنها عبارة تناقض صورة المشرقي الراكع، فهو المشرقي الجالس باسترخاء يفكر ويقول ويرد على صورة الهمجي التي كان يقدمها الغرب عنه، حيث كانت صورة المشرقي في ختم البعثات التبشيرية الأميركية في لبنان صورة إنسان راكع شبه عارٍ أمام مبشر أجنبي.

يصف الشدياق عملية الكتابة لديه كما لو كانت "الجؤار"، ويصف نفسه قائماً قاعداً يروح ويجيء، مظهراً القلق والخوف والاضطراب والتفكير والعجز والقدرة خلال تأليف الكتاب، وهو يجأر بحياته في رواية تقص علينا سيرته منذ ولادته حتى هجرته إلى مالطا مع زوجته، ليظهر الكتاب كما يصفه صاحبه: "جسم جميل بعضه مكشوف وبعضه الآخر مستور"، كما تورد عاشور التي ترى فيه أيضاً "كتاباً مضحكاً عن حياة مؤلمة"، حيث عملية الكتابة نفسها مؤلمة ألم الوضع، لكن نهايتها عمل أدبي هو "ألذ من المدام".

فصل المؤلف نفسه عن الفارياق الشخصية، في الوقت الذي يمثل كلاهما الشخص نفسه، وهو تكنيك روائي حديث ومعاصر جداً. ليس هذا فقط؛ فقد وازى الشدياق بين التقليد والتحديث في آن، فالكتاب الحداثي أسلوباً يلتزم بعرف كلاسيكي مألوف في كتب التراث العربي، وهو التوجه إلى القارئ ومخاطبته بين الحين والآخر. في هذا توضّح عاشور قائلة: "القارئ في "الساق على الساق دائم الحضور تربطه بالراوي/ المؤلف علاقة حميمة ومركبة ودودة أحياناً ومتوترة أحياناً تتفاوت من الملاعبة إلى العدوانية".

قام الشدياق أيضاً في كتابه بالتفاتة قد تكون الأولى من نوعها، حين يعتذر من النساء، فلن يكون بمقدور غالبيتهن الأمية قراءة العمل، وكتابه لن يصل إليهن إلّا أن يسمعن فيه سماعاً، لذلك يتعفف عن الخوض في مكائد المرأة في غيابها متلقية، فلن يكون بإمكانها الدفاع عن نفسها، ويكتفي بأن يذكر محاسن النساء ويتخيل أن معرفته بهن ستجعلهن "يحسبن أنني عشت برهة من الدهر امرأة.. ثم مسخني الله تبارك وتعالى رجلاً".

الكتاب أيضاً موجّه إلى المرأة وعنها، تلك التي يسميها الفارياقية، في تعبير عميق عن المساواة والشراكة في هذه السخرية الأدبية من العالم والسخط عليه، متماهياً معها ومغرقاً في وصفها المحب وداعياً إلى تعليمها ومنادياً بحريتها قبل قاسم أمين بكثير.

من فرادة كتاب الشدياق أيضاً، مسألة التفكير بصوت عالٍ في خيارات اللغة والأسلوب أثناء التأليف، إلى جانب والتنقل بين الدارجة المصرية في مواضع قليلة، والعودة إلى الفصحى الرفيعة بلا تكلف، ونفوره من علامات الترقيم تاركاً الكلام غير منقطع لا بنقطة ولا فاصلة. نسمعه تارة يقول إنه سيطيل علينا (القراء) ليختبر صبرنا، وتارة يحدث نفسه "السجع للمؤلف كالرِجل من خشب للماشي، فينبغي ألا أتوكأ عليه في جميع طرق التعبير لئلا تضيق عليّ مذاهبه".

كتب الشدياق هذا المؤلف مدفوعاً بتجربة غائرة من الألم والفقدان، ترك لبنان وبدأ في رحلة طويلة أبحر في البلاد وتبحّر في اللغة وكتب "الساق على الساق" احتفاء بالعربية التي أصبح من أهم العارفين بها، هو الذي وضع نقداً للقاموس المحيط شارحاً 24 عيباً فيه.

في عدة مواضع من الكتاب، نتعرف على الشدياق متأملاً مبكراً في الاستشراق، يمرّر نقده بشكل غير مباشر لرفاعة الطهطاوي، وهو ما تنبهنا عليه عاشور في "الحداثة الممكنة" أيضاً، فكثير ممن أعجب بهم الطهطاوي كانوا موضع انتقاد الشدياق الذي كان ينظر ويتأمل ما يقول المستعربون والمستشرقون، ويفنّد أخطاءهم المقصودة والساهية عن أحوالنا ولغتنا وثقافتنا، فنقرأ هجومه على استشراق سلفيستر دي ساسي وتفصيله الأخطاء في ترجماته عن العربية، في الوقت الذي يعبّر فيه الطهطاوي عن إعجابه الكبير بساسي و"يتغزل" في ما نقله إلى الفرنسية من كتابات عربية.

من يقرأ كتاب الشدياق، يسأل مثلما سألت رضوى عاشور: "لماذا لم يتوقف الدارسون والحديث يجري في السنوات الأخيرة قليلاً وكثيراً حول الاستشراق عند الشدياق؟ وهو الكاتب العربي الذي نقد الاستشراق والمستشرقين. فبقي أباً مهمشاً لا تنسب له ذريته أو لا تعرف هذه الذرية أنه والدها".. ثم لماذا لم يتوقف المولعون بالحداثة عند تجريب "الساق على الساق".


الأب المهمّش
هل من الممكن فهم تهميش تجربة الشدياق (1804 - 1887) في الدراسات الأدبية العربية دون الرجوع إلى الخيارات التاريخية للنخبة العربية في علاقتها بنفسها وموروثها وواقعها. ذلك سؤال أثارته رضوى عاشور التي اعتبرت أن الشدياق يقودنا إلى سؤال كبير حول مشروع النهضة العربية الذي نعرف الآن من موقعنا في القرن الحادي والعشرين مدى تعثره، ربما بسبب عدم التفات أهل زمانه لانتقاده للنموذج الحضاري الذي اتخذوه.



المساهمون