شرق المتوسط .. غرب الجحيم

08 سبتمبر 2020
الصورة

يوشك من يعيش في مدينة ساحلية أن يحدّد موقع مدينته، لمن لا يعرفه، بأنها مدينة ساحلية تقع شرق المتوسط، غرب الجحيم، على مسافة عدة كيلومترات من ميدان معركة وشيكة. صحيح أن قرار الحرب، منذ الحرب العالمية الثانية، وخصوصا بالنسبة لصناع القرار الأوروبي أصبح بعيدًا، بل ربما مستبعدًا، لكن خبرة هذه الحرب نفسها تؤكّد أن المبالغة في الرغبة بتجنب الحرب قد يترتب عليه خوضها في كل الأحوال، بعد أن يصبح القرار متأخرًا.
كانت قوى أوروبية عدة تتحاشى مواجهة هتلر، بل اختار الاتحاد السوفييتي التفاهم معه سرًا، بينما هو يتوسّع مهددًا سلام العالم. وصناع القرار الأوروبيون الراغبون في تحاشي الحرب بكل الطرق كانوا جميعًا يعتبرون التغاضي حلًا محتملًا لنهم الفوهرر، بأمل أن يكتفي بعد الخطوة التوسعية الأولى، لكن النهم ازداد حتى تورّط الجميع في الحرب مضطرين، ومتأخرين.
والخيط الرفيع الفاصل بين التأنّي والتردّد يتسبب أحيانًا في مواجهات كارثية، والخلط، الناجم عن التشوّش، بين نزاعات المصالح، وصراعات الرؤى والنماذج يكلف المخفقين في رؤية هذا الخيط أن يواجهوا خطر الاختناق بمشنقة التأخّر في أخذ زمام المبادرة. وفي التقييم الموضوعي المركب، يحضر الواقعي، والرمزي، والأيديولوجي، فإذا أخطأ صانع القرار، وهو بَعدُ في مرحلة الوصف والإدراك، عن تركيب مكعبات "البازل"، فإنه غالبًا يفشل في رؤية الشكل الصحيح الذي تكونه مكعباته.
وشرق المتوسط يمكن، بالفعل، أن يحمل لقب "غرب الجحيم"، إذا استمرّت سُحب "صراع الإرادات" في التراكم، فالمتزاحمون بحرًا وجوًا (عدا تركيا واليونان) لدى كل منهم مبرّر لإشعال فتيل مواجهةٍ ستجري وقائعها بعيدًا عن بلاده. يضاف إلى ذلك عامل مهم في خلفية المشهد العسكري، هو أن خريطة التموضع الروسي في سورية وليبيا، على مسافة عدة آلاف من الكيلومترات، تجعلها رقمًا مضافًا إلى قائمة المحتشدين، وكأنها موجودة بالفعل.
والراغبون في تجنّب الحرب هم الأقرب بحسابات الجغرافيا، وبالتالي فإن الساحة المكتظّة بالثارات وأشباح التاريخ، وفي القلب منها ذكريات الصراع الحضاري، برميل بارود حقيقي، لا يكفي للشعور بالأمن مع وجوده أن تكون لدى جيرانه رغبة حقيقية في "تجنّب الحرب". وفي حقيقة الأمر، فإن الصراع على الثروات الطبيعية، وعلى أسواقها، وعلى خطوط نقلها، جزء من كلٍّ أكبر، هو الصراع على نموذج الاجتماع السياسي السائد على شواطئه، فقد كان البحر الأبيض المتوسط، حتى اكتشاف ما سمّي "العالم الجديد"، يمثل قلب العالم القديم بلا منازع. ومع حفر "قناة السويس"، ثم في مرحلة تالية ظهور نفط الخليج، بقي جزءًا من خريطة العالم، ربما، لا نظير لها في الأهمية.

خريطة التموضع الروسي في سورية وليبيا، على مسافة عدة آلاف من الكيلومترات، تجعلها رقمًا مضافًا إلى قائمة المحتشدين، وكأنها موجودة

لقد اختار مؤرّخ غربي بارز (جون جوليوس نورويش) عنوانًا معبرًا عندما خصص كتابًا لتاريخ هذا البحر: "الأبيض المتوسط، تاريخ بحر ليس كمثله بحر". واليوم يعود هذا البحر الذي شهد ما لم يشهده من الصراعات المتلاحقة، تحلق في سماء ركنه الشرقي نذر مواجهة، لا يعلم إلا الله كيف تنطوي صفحتها ومتى. وعلى مدى قرون متعاقبة، كان صعود حضارة، أو أفول أخرى، في العالم القديم، يستتبعه بالضرورة نشوء "نظام أمني" في هذا البحر ذي الأهمية الاستثنائية. وبين الانفراد بالسيطرة عليه أو التشارك فيها، كانت الحرب جزءًا لا يستهان به من تاريخه. والتباين بين الأنساق الحاكمة بين شماله وجنوبه لعب أدوارًا في الصراع العسكري للسيطرة عليه. وهذا التباين، وإن بدا أصغر جحمًا من صراعات المصالح، إلا أنه في حقيقة الأمر محرّك رئيس للصراع المحتمل.
وغير بعيدٍ من خط المواجهة التاريخي أثينا/ أنقرة، يقبع خط مواجهة آخر في البلقان، كاد أن يتسبّب في مواجهة كبيرة خزّان ذكرياتها مليء بالأشباح المخيفة. وعلى عكس ما حدث في تجربة صراع البلقان، فإن أميركا، قرب نهاية تسعينيات القرن الماضي، قرّرت التدخل عسكريًا في البلقان لتُنهي بذلك ملهاة "التردّد الأوروبي". لكن أوروبا اليوم أضعف وأكثر تشوشًا وتردّدًا، بينما لدى أميركا تعقيداتٌ كثيرةٌ في علاقاتها بأطراف الأزمة وجوارها، وهي بالتالي ترسل إشاراتٍ متضاربةً إلى أطراف المواجهة (المباشرين وغير المباشرين)، وكأنها تعيد إنتاج "سياسة تجنّب الحرب"، بكل خيباتها. وتلك، في تقديري، أحد أخطر ملامح هذه الأزمة.