سياسة خمس نجوم في إيطاليا

سياسة خمس نجوم في إيطاليا

24 يونيو 2016
الصورة

"خمس نجوم" تحتفل في روما لفوزها بالانتخابات البلدية (19يونيو/2016/Getty)

+ الخط -
يشكل التيار السياسي الذي وُجد بقوة المفاجأة في الانتخابات الجماعية الإيطالية، أخيراً، وهو يحصد 110 مقاعد في مجلس النواب و58 مقعداً في مجلس المستشارين، قصة نجاحٍ سياسيٍّ تستحق الانتباه. انطلقت الحكاية في العام 2007، عبر مدوّنةٍ للتواصل الإلكتروني، أطلقها ممثل كوميدي شهير هو بيبي جريلو، منبراً للنقاش والتقاسم والتعبئة المناهضة للطبقة السياسية، تحت شعارٍ شعبي قاس "إذهب للجحيم"، لتولد خلال سنة 2009، انطلاقاً من هذه الدينامية والتفاعل الاجتماعي مع أفكارها، حركة "خمسة نجوم"، في إحالةٍ إلى الأهداف الخمسة الأساسية التي تكثف مشروعها، وهي: المياه النقية ملك عام، تحسين النقل العمومي، رفض المشاريع المكلفة والملوثة، استغلال النفايات من خلال تدويرها، "مجانية شبكة الإنترنت".
وفي العام 2013، أصبحت هذه القوة الشابة ثاني تنظيم سياسي في البرلمان الإيطالي، بعد أن حازت لوائحها على ربع الأصوات المعبّر عنها في الاقتراع العام.
هذه الحركة الإيطالية التي ترفض أن تُعرَّف حزباً سياسياً تقدّم نفسها حركةً مناهضةً للمؤسسات وللنخب السياسية، وهي بذلك تستثمر في غضب شعبي عارم على نوعٍ من الممارسة السياسية المرتبطة بمراكمة الامتيازات والتواطؤ مع القوى المالية وشبهات الفساد، لتطرح نفسها بديلاً قادراً على إنتاج علاقة جديدة بين الشعب وفضاءات التمثيل السياسي والقرار العمومي.
يحيل تكريس النجاح الانتخابي لحركة "خمسة نجوم "، من جهة أخرى، إلى المساحات التي باتت تحتلها وسائط التواصل الجديدة في التأثير السياسي وحشد الدعم والتعبئة وراء البرامج والأفكار والقيادات، وفي بناء هوياتٍ سياسيةٍ تعتمد طرائق مختلفة في التفاعل مع المواطنين، وفي إدماجهم في العملية الانتخابية والمسار التمثيلي.
كما يحيل كذلك إلى الانتقالات المعقّدة والملتبسة بين الحقل الاحتجاجي والاجتماعي والحقل السياسي والمؤسساتي، خصوصاً عندما تختار حركةٌ، لا تخفي طبيعتها الاحتجاجية، الاشتغال ضمن الفضاء البرلماني والتمثيلي، مع استحضار كل حدود هذا التحول وفرصه من سجل الرفض المبدئي إلى سجل الاقتراح والترافع والتدبير.
لا يبدو هذا التيار السياسي، من خلال الأفق الإيديولوجي المعلن، قريباً من مرجعيات الموجة الحزبية الأوروبية الجديدة، كما برزت، بالأساس، في إسبانيا واليونان، ذلك أنه يصعب وضعه في خانة "اليسار الأوروبي الجديد"، كما يصعب، في الوقت نفسه، تصنيفه في سجل إيديولوجي واضح، إذ يبقى، من حيث مرتكزاته الفكرية والمذهبية، خليطاً من التوجهات البيئية والشعبوية واليمينية، ولعله نجح في تدبير استراتيجية انتخابية جعلته يبدو قوةً سياسية "لاقطةً للجميع"، عندما رفض، مثلاً، قبل شهور، الانضمام إلى حملة دعم الزواج المثلي، مفضلاً عدم القطع مع جزء كبير من قواعده المتموقعة تقليدياً ضمن ناخبي اليمين المحافظ. لكنه، في المقابل، يبقى قابلاً للقراءة ضمن الخطاطة التحليلية التي تنطلق من رصد أزمة التنظيمات السياسية "التقليدية"، وهي الأزمة التي ترتبط باختناق ثنائية اليسار الاشتراكي الديمقراطي واليمين الليبرالي، وبعدم قدرتها على هيكلة الأجوبة السياسية والاقتصادية والثقافية والهوياتية لمجتمعات الغرب الأوروبي.
وإذا كانت هذه الأزمة لم تصل إلى حدود نهاية هذه "الحزبية التقليدية"، كما سبق أن وقفنا في مقال سابق في (العربي الجديد) حول الحزبية الأوروبية الجديدة، فإنها بالتأكيد دليل إضافي على ما تعيشه هذه الأنظمة الحزبية من حالةٍ سياسيةٍ انتقاليةٍ مطبوعةٍ بمحاولات متكرّرة، لإنتاج البدائل، يساراً أو يميناً، بل وحتى من خلال ديناميات للحراك الاجتماعي والاحتجاجي.


دلالات