سمعتُ أواخر ضحكاتهم

10 يونيو 2019
الصورة
("توت وثلج"، فوتوغرافيا: جورج دعبول)

مشى الرجل على الشفاه المتورّمة
هفيفاً رهيفاً حائراً
أحبّاً تورّمت الشفاه؟
أم عبر عليها تترٌ وعجمٌ وعرب؟

وعلى شفاهك أنتِ، من عبر؟
نفطٌ أم ذئبٌ جريحٌ أم أرجوان
ما بالك تهذين بعثمانيين وأرمن وكرد
أعبروا من هنا البارحة
أم هو حلم عتيق؟

ثم غابت الشمس ومن ثمّ أشرقت
وكنّا قد تغافينا على حجرٍ رقيقٍ
طوال الليل الطويل
كرغيفين يابسين
حتى أشرقت
وكنا قد تلامسنا من نحو الأطراف
كأخوين
والله
فلا شفاهها شفاه
ولا جسدها لحظةً يرتاح
فطوال الليل عبرت عليه أقوامٌ
وهي تسميّهم أشباحاً
أما أنا الذي غفى عنها قليلاً
فقد رأيتهم بأجسادٍ كالتي لدينا
أو بالكاد
أو أكثر
أحلف يميناً أو أكاد

نعم
تلامست الأطراف أحياناً
فللأشباح ظلالٌ ثقيلةٌ تناصَفتنا
والأشباح تكره أن يجتمع اثنان
وإن أخوين
وإذ اجتمعا فثالثهما شبح أو ربما اثنان
لكن الأطراف تلامست رغماً عن ثقل الظلال
تلامست قليلاً حياءً
ثم أكثر
حتى أصابها الحرّ
فتكالبت الأشباح علينا
وجميع الأقوام التي عبرت عليها

أعليها عبرت الأقوام؟
ألم أكن هناك
يابساً رغيفاً
أبحث عن أطرافها
أم أنني غفوت
أم أنني أشحت
فلا أحدَ يشتهي رؤية الأشباح
أو الإطلالَ على برابرةِ الزمان العابرين
سحناتهم تشبهنا إلى حد القيء
سألت أمي عنهم فقالت: لا أعرف
وهي تعرف
سألت أبي عنهم فقال: لا أعرف
وهو يعرف
سألت الإخوة
والأخوات
وأبناء العم
وكلّهم قالوا: لا نعرف

أيكذب الأهل
يا صديقة
أم أن المعرفة عبءٌ ثقيل؟

إذاً فقد مرّت علينا الوحوش
مرّت عليكِ
مرّت عليكِ لأنهم كذبوا
ومرّت عليكِ لأنني غفوت
حيناً غفوت
والله
إذ كنتُ قد صَدّقتُ الأهلَ
وحينها عبروا إليكِ
كانت عيونهم جائعة
أفواههم فاغرة
كأنهم أموات
أو أن شيئاً ما مات فيهم
إذ لم يلحظوا إلا تلامس أطرافنا
لا حرارتها
ولا ضعفها
ولا حياءها...
لم يثر فيهم أيّة شهوة
بصيص الحياة الذي اعتراكِ
هم ميتون إذاً
ولكن سواعدهم شديدة
وأقدامهم تركض
أشباحٌ بأجسادٍ إذاً
لا أدري أين تصنفهم علوم الطبيعة
وماذا تروي عنهم موسوعة الأحياء
وأنت تعرفين
موضوعيٌّ أنا حتى النخاع
وإنّي أشهد الآن
أنّهم كانوا يرتدون أجساداً
كتلك التي ترتدين أو أرتدي أنا
وقد لامستُهم
فهم عبروني أيضاً
وكانت حرارتهم كالتي لدينا
لا زادت ولا بردت
أخيانةٌ هذه إن رويت الحقيقةَ
والحقيقةُ أن عيونهم فارغة
وأفواهم فاغرة
وشيءٌ ما ميتٌ فيهم
ولكنهم أحياء
فقد عبرونا
أتعرفين ما التصنيف؟
فلا قيمة علمية إذ أقول
شيءٌ ما ميتٌ فيهم

ثم تركنا العلوم إذ إنها لم تجب
وكان ذلك في بداية الليل الطويل
وبعد اجتياحهم الأول
حين كنّا ما نزال كرغيفين أخوين
ينشُدان حرارة الأطراف وأعضاء أخرى
لا لشيءٍ إلا للتأكد من صحّة علمِ التشريح
وعلوم سلالات الإنسان
ونظرية النشوء والارتقاء
وكانت قد ابتسمت رغم ألمها
عندما ذكرتُ النشوء والارتقاء

بحثنا عن أعضاء أخرى
مركزية ربما ولكنها تدفئ الأطراف
بحثنا كلانا
وكانت ماهرةً في إيجاد الأعضاء
فما هي إلا لحظتان حتى وجَدَتْ كبدي
وكان صغيراً كبدي
ثم عرفتُ الطريق إلى فتحة الفؤاد
فضحِكَتْ
أمسكنا بالحجاب الحاجز
وكان رقيقاً
فدفعناه عالياً حتى لامس الرئتين
شهيقين
برهتين
ثم أطلقناه زفيراً واحداً
وبعدها غفوت

رأسي كان مُلقىً بين الرئتين
حتى إنني سمعت خفقان القلب تفصيلاً
بين أوردةٍ وشرايين
كان هادئاً
يخفِقُ بمعَدلِ خفقتين اثنتين
ثم يستريحُ قليلاً
بالكاد لحظاً
ثم يضرب ضربتين
وعندها حقاً غفوت
على نغمِ وقفةٍ بين ضربتين

ثم تسارعت الضربات
كثيراً تسارعت
لكن عزفها ظلّ كما كان
خفقتين ثم سَكينة
فلم أُعر انتباهاً للأمر
فرأسي محميٌّ بين الرئتين
بعيداً عن أيّة جحافل بشرية
أو شِبه بشرية قد تمرّ من هنا
أو تعبرُ من هناك
ثم سمعت ماءً سلسبيلاً
وعرِفت أنهُ دمع يسيل
في جداول قرب العينين
مالح كماء البحر
نقيٌّ كالينبوع
كلّ هذا عرفت
وما صحوت
وبعد حينٍ هدأ القلب
وتبخرت الدموع
فتصخّر مِلحُها على الوجنتين وأبعد من ذلك
وكان لاسعاً
وكان وجَعَاً
ولكنّها أبقت على رأسي مختبئاً بين الرئتين
حتى ارتوى
ثم استيقظت من غفوتي
رفعت رأسي من دفء الرئتين
وعلِمتُ أنهم عبروا
عبروا
ولم أعلم
أكان عبورهم الأول أم الثاني؟
كم غفوت؟
ولم أعلم
وإنما ضحكاتهم كانت لا تزال عالقةً في ريح المكان
وكانت الشفاه متورّمةً

أحباً تورّمت الشفاه حين غفوت
أم عبر عليها تترٌ وعجمٌ وعرب
نفطٌ أم ذئبٌ جريحٌ أم أرجوان
ما بالُكِ تهذين بفرنجةٍ وبرابرةٍ وروم
أعبروا الآن أم هو حلمٌ عتيق

كنت أنظر ولا أرى
فقد سمعتُ أواخر ضَحِكاتهم
وكانت تشبهنا
أسألها بحثاً عن يقين
على شفاهك أنتِ من عبر؟
أتسمعين؟
قالت إنهم أشباح
وللأمانة
هم من أسموا أنفسهم أشباحاً
وهل أشباحاً كانوا؟ سألْت
فصمتت
ثم تكوّرت
فأخَذَتْ رأسي بين كبدها والرحم
على أطراف حجابها الحاجز
ثم غفت.


* ممثل ومترجم سوري من مواليد 1978. درس الحقوق في "جامعة دمشق" والمسرح والترجمة الأدبية في "جامعة مرسيليا" بجنوب فرنسا. صدرت له ترجمات شعرية للأطفال عن دار (Le port a jauni)، وهو يعمل منذ عام 2011 مع فرقة Dreams Come True المسرحية السويسرية، كما عمل مقدّماً للبرامج في إذاعة "مونت كارلو الدولية". عرض في عام 2017 تجهيزاً فنياً بعنوان "أضواء الحرب" في متحف "حضارات أوروبا والمتوسط" في مرسيليا.