ستيف سابيلا: الاحتلال والمنفى.. والتحولات

15 مارس 2014
الصورة
معرض سابيلا في غاليري "برلوني"
+ الخط -
تستضيف غاليري "برلوني" اللندنية حالياً معرضاً فردياً مثيراً للفنان الفلسطيني ستيف سابيلا بعنوان "شظايا"، يدوم حتى العاشر من مايو/أيار المقبل ويتضمن أربع سلاسل رئيسية من عمله، هي: "في المنفى" (2008)، "سيسيل إيليز سابيلا" (2008)، "تحوّل" (2012) و"38 يوماً من إعادة التجميع" (2014).
ولفهم مغزى هذه الأعمال وقيمتها الفنية، لا بد من التعريف أولاً بمسار ومسعى صاحبها الذي تمكن باكراً من فرض نفسه في الساحتين الفنيتين العربية والغربية، كأحد أهم الفنانين التشكيليين العرب وأكثرهم ابتكاراً وفرادة. من مواليد القدس 1975، درس سابيلا فن التصوير الفوتوغرافي في هذه المدينة. وقبل أن ينتقل إلى لندن في عام 2007 ويحصّل شهادات فنية مختلفة، عمل في وطنه كمصوّر محترف لصالح عدة منظمات دولية، وتمكّن بواسطة هذا العمل من تصوير حياة الفلسطينيين اليومية من زاوية إيجابية، مناقضاً في ذلك الصور السلبية الغزيرة التي تسيّرها وسائل الإعلام حولهم.

وفي هذا السياق، أسّس في عام 2007 "بنك فلسطين للصور" التي هدف من خلاله إلى الترويج لصورة إيجابية لفلسطين كأرض تنوّع وجمال وليس كفضاء صراع واضطرابات فحسب. وفي جهده هذا، لم تكن الغاية إنكار ما يعانيه بلده من الاحتلال الإسرئيلي، بل منح فكرة صحيحة وكاملة عنه. وهو ما دفعه بسرعة إلى التعاون مع مصوّرين فلسطينيين يملكون الرؤية نفسها لبلدهم، آملاً من خلال ذلك تكوين أرشيف بصري فريد في تاريخ الصورة الفوتوغرافية الوثائقية الفلسطينية.

ومن جهة أخرى، شكّلت علاقة سابيلا بمدينة ولادته، القدس، موضوعاً رئيسياً لفنه منذ عدة سنوات. ومن الأعمال التي رصدها لهذا الموضوع، يتبيّن لنا أن الفنان يرى هذه المدينة كفضاء منفى لعدم منحها إياه أبداً الشعور بأنه في المكان المناسب.

أما أعماله المعروضة حالياً فتعكس سير فنان نحو نضجٍ بصري وفكري، وبحثه الجريء في تطوّر حالاته النفسية، وبالتالي تكشف سيرورة تفرُّد جدّ شخصية.


ففي السلسلة التي تحمل عنوان "في المنفى"، يقارب سابيلا مشاعر الإستلاب الناتجة عن تجربة المنفى الجغرافي والذهني معاً. فالنوافذ التي تظهر في هذه الأعمال تبدو وكأنها مشاهد للمكان الذي يعيش الفنان فيه. ومع أنها تمنح المتأمل فيها أكثر من منظور، وبالتالي أملاً، لكنها تبقى دائماً مغلقة، تدور الحياة أمامها لكن يتعذّر إدراك ما يوجد خلفها. وفي هذا السياق، يبدو الفنان سجين بحثه الثابت عن ذاته داخل فسيفساء مشهده الذهني، ويقود المتأمل إلى داخل فضاءات مبلبِلة تُفقدِه التوازن والأمان. بعبارةٍ أخرى، يفكك سابيلا المألوف لإعادة تشييده من جديد، مبتكراً في ذلك كوكبة جديدة من الواقع تؤسّس لمقابلات مثيرة مع تجربة منفى لا نهاية له.

وفي السلسلة التي تحمل عنوان "سيسيل إليز سابيلا"، يستكشف الفنان مفهوم المنفى من زاوية مختلفة: ابنته. فبما أن هذه الأخيرة لا تتكلم سوى لغة أمها السويسرية الألمانية، عانى سابيلا باكراً من صعوبة الاتصال بها وشعر بأنها غريبة عنه. وهو ما قاده إلى إنجاز سلسلة صور لأقمشة ثيابها، وجهاً وقفا، كمحاولة يُثبت فيها لابنته أن ثمة دائماً وجهاً آخر للأشياء، غير الوجه الظاهر، وبالتالي أن الوجه الخفي الذي في "سيسيل" هو وجهه، مما يعني أن هنالك دائماً رابطاً بينهما يتجاوز عقبة اللغة. ويكتمل معنى هذه السلسلة حين نعرف أن سابيلا وابنته يتشاركان أيضاً مكان الولادة نفسه - القدس- وتجربة المنفى، لعيش كل منهما بعيداً عن هذه المدينة.


وفي السلسلة التي تحمل عنوان "تحوّل"، يسعى الفنان إلى تجسيد سيرورة تحولاته دون تحديدٍ واضح لبدايتها أو نهايتها، علماً بأن كلمة Metamorphosis تحمل معنى خاصاً في قاموسه يحدّده على النحو الآتي:"الطريقة التي أفهم فيها التحوّل هي كولادة جديدة تتذكّر أو تحمل دائماً معها أعباء من الماضي، طالما أن لا تغيير في حمضنا النووي (DNA)". وفي هذا السياق، لم يسْعَ سابيلا إلى سرد هذه التحولات على شكل لقطات متعاقبة بل على شكل طبقات متراكمة أو بنيات مكررة من النماذج. وفي ذلك، هدف إلى بلوغ اختبار بصري جديد هو كناية عن صور متفرّقة تكشف، ما إن نتمعّن فيها، عن بنيات جديدة كامنة.

وحول هذه الأعمال، يقول: "الشكل في ملصقاتي الفوتوغرافية هو الذي يسمح لها بإنجاز وحدتها البصرية، وبإثارة ردّات فعل مختلفة، وبالذهاب أبعد من الترابط الأول لعلاماتها. فحين أصوّر سلكاً شائكاً، الدلالة الإيحائية الأولى التي تحضر إلى أذهاننا هي تقييد الحركة. ويمكن لهذا السلك أن يحمل معنى الألم ـ الألم الجسدي ـ إن بقينا عالقين به. أما الدلالة الإيحائية غير المتوقّعة له فهي باستخدامه كخَيْط يصلح لخياطة جروح. وهذا ما أركّز عليه في سلسلة "تحوّل"، أي الصراع بين الشكل والوظيفة". باختصار، تصوّر هذه السلسلة نُدَب الصدمات التي تلقّاها الفنان في فلسطين والمنفى، وتبرز التحوّل كسيرورة طويلة الأمد يُعيد الفنان فيها تشييد ذاته بالعناصر الأساسية التي شكّلت حياته وإدراكه.

أما السلسلة التي تحمل عنوان "38 يوماً من إعادة التجميع" فتطلّب إنجازها من سابيلا الإقامة على مدى 38 يوماً في منزل فلسطيني -في قرية عين كارم- احتله الإسرائيليون عام 1948، حيث حاول إعطاء معنى لفضائه عبر تصويره بشكلٍ مكثّف وعميق، قبل أن يقوم بإسقاط مضمون هذه الصور وإضاءتها على قشور من الدهان انفصلت عن جدران المنزل الذي وُلد فيه ومنازل أخرى في أحياء القدس القديمة. ومن خلال ذلك، يستكشف سابيلا العلاقة بين واقعَين: الاستيطان الإسرائيلي وحق الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، كما يستكشف قصة المنزل في القدس وقصة الصورة نفسها.

_________________

حتى 10 أيار/ مايو

Berloni Gallery- 63 Margaret Street, London

المساهمون