سبع سنوات على ثورة تونس.. 2018 لاستكمال إرساء المؤسسات والقوانين

17 ديسمبر 2017
الصورة
الثورة مفخرة للتونسيين (فتحي بلعيد/ فرانس برس)



نجحت الثورة التونسية في القضاء على سنوات من القمع والاستبداد، فكسرت القيود وحررت التونسيين، ورغم طول مسار إعادة البناء الديمقراطي المحفوف بالهزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن تحصين الثورة والديمقراطية بقوانين ومؤسسات وهيئات، هاجس يتملك جميع التونسيين.

وأعلن البرلمان التونسي أن العام 2018 سيكون "سنة الهيئات الدستورية" وسيتم استكمال إصدار القوانين واستحداث المؤسسات، على الرغم من العراقيل والصعوبات.


واعتبر رئيس البرلمان التونسي محمد الناصر في تصريح لـ"العربي الجديد" أن الحرية والديمقراطية هي أكبر مكسب للشعب التونسي وقيادة البلاد، وكل الأطراف مدعوة، كل من موقعه، إلى المساهمة في تثبيت المسار الديمقراطي الانتقالي.

وبيّن أن "تونس بصدد بناء الجمهورية الثانية جمهورية ما بعد ثورة الحرية والكرامة، والبناء ليس بالأمر الهين ولا السهل فالسنوات التي مضت لا تقدر في عمر الشعوب والحضارات، ولا تقارن بحجم البناء والتغيير الذي سيدخل على البلاد".

وأضاف الناصر أن جميع المسؤولين الأجانب الذين زاروا مقر البرلمان الذي يسمونه في الغرب "بيت الديمقراطية"، أعربوا عن إعجابهم بالتجربة التونسية ونجاحها، بما تمثله من نموذج يحتذى في المنطقة.


كما لفت إلى أن البرلمان بصدد وضع المؤسسات الدستورية، والهيئات الكفيلة بحماية المسار الديمقراطي وتأمينه، على غرار هيئة المحكمة الدستورية التي سيتم انتخابها قريبا. وأشار إلى أن المجلس التشريعي، يعمل على إتمام المصادقة على نصوص قانون هيئة حقوق الإنسان وهيئة الاتصال السمعي البصري. وأضاف أن هناك تروياً في مناقشة قانون الجماعات المحلية الذي سيدخل تغييراً عميقاً وجوهرياً على البلاد، بتكريسه نظام الحكم المحلي.



ونجحت تونس الثورة في كسب معركة الحريات وضمنت بدستورها وقوانينها حريات تمثل نموذجا في المنطقة. كما نالت عبر نقل السلطة بانتخابات نزيهة وشفافة، استحسان المتابعين رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل الشعب.

وفي السياق، قال أستاذ القانون الدستوري، قيس سعيد، لـ"العربي الجديد" "إن كان التونسيون يتطلعون إلى تحسن ظروف عيشهم، وتحقيق ثورة اقتصادية واجتماعية تضاهي تطور سقف الحريات، فإن المناخ الديمقراطي الجديد، الذي رفع من مكانة التونسي إلى المواطنة الحقيقية، يستحيل معه أي رغبة في العودة إلى مربع الاستبداد والظلم، الذي اكتوى منه البسطاء والمهمشون قبل الجميع".

كما شدد على أنّ "الشعب هو صمام أمان الثورة وحامي حمى الديمقراطية قبل النصوص والدستور، وسيبقى الشعب وبخاصة الشباب حارس ثورته وفاء لدماء الشهداء ودموع الثكالى، وصيحات المصابين الذين سقطوا من أجل تحرير البلاد، وتحرير الطبقة السياسية الحاكمة من ذل القيود".

وأضاف "سيواصل الشعب التونسي ملحمته للقضاء على الفساد المستشري في البلاد ولتكريس قيم النزاهة والشفافية ومحاربة أشكال المحسوبية التي تغلغلت زمن حكم بن علي".

وحرص التونسيون منذ اندلاع ثورة الياسمين على إرساء القوانين والهيئات والمؤسسات الدستورية الحامية للحقوق والحريات والضامنة لاستكمال مسار الثورة والبناء الديمقراطي خشية العودة إلى مربع الاستبداد، فكان دستور 2014 قلعة حصينة أمام أي اختراق يعود بالبلاد إلى سنوات القمع والظلم الذي كان شيمة السنوات الأخيرة من الجمهورية الأولى.

وشرع برلمان الجمهورية الثانية في وضع ترسانة من القوانين وإحداث هيئات دستورية وأخرى تعديلية مثلت الفارق والتميز في المنطقة، فكانت تونس سباقة إلى وضع قانون وضع حد للعنف المسلط على المرأة وجرم جميع أشكاله، فحصدت شهادة اعتراف وتقدير من قبل منظمة الأمم المتحدة. كما انتخب البرلمان "الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب"، وعهد إليها رصد الانتهاكات ومراقبة السجون ومراكز الاعتقال وتتبع القضايا.


كما سن قوانين نموذجية في مجالات تكريس النزاهة والشفافية ومقاومة الفساد على غرار قانون الإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين عنه، وقانون النفاذ (الوصول) الى المعلومة ليقطع مع التعتيم. كما انتخب "هيئة خاصة بالنفاذ إلى المعلومة". وصادق على قانون لإحداث "هيئة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد". كذلك، شرع في ترتيبات انتخاب أعضائها، حتى تكون ملاذا أمام المظلومين وضحايا قضايا الفساد والرشوة والمحسوبية.

وأصدر البرلمان قانون المجلس الأعلى للقضاء الذي شرع في العمل وحوكمة مرفق العدالة بالبلاد، وقانون المحكمة الدستورية، وبالتالي حصن السلطة القضائية من قبضة السلطة التنفيذية، وكرس استقلاليته وحياده وفصله عن بقية السلط.

وإن كان البرلمان بيتا للديمقراطية التونسية ومظلة لاختلاف الرأي، نظراً لتعدد أحزابه (20 حزبا) وتنوع مكوناته (8 كتل برلمانية) فلا مجال تحت قبته للانفراد بالقرار أو الاختيار دون تحقيق توافق بين غالبية الطيف السياسي، بحسب مراقبين. ويمثل الصراع المتواصل بين ائتلاف الحكم ومعارضيه علامة صحية ودعامة لنزاهة الهيئات المنتخبة في البرلمان ولسلامة القوانين الصادرة عنه.

ويفسر خبراء القانون البرلماني بطء انتخاب الهيئات الدستورية المتبقيةـ وفي صدارتها المحكمة الدستورية وهيئة حقوق الإنسان وهيئة التنمية المستدامة، بالخلافات بين المعارضة البرلمانية الشرسة وائتلاف الحكم غير المتجانس.