دفاع عن المباشرة

18 أكتوبر 2019
الصورة
(مقطع من عمل لـ برهام حاجو/ سورية)
+ الخط -

يمكن اتهام عقد الستينيات من القرن العشرين بأنه جعل كلمة "المباشرة" كلمة منبوذة وكريهة في النقد وفي الثقافة العربية، وقد نجح النقاد الذين شنوا الحملة ضدّها في مطاردتها ومنعها من الحضور الفاعل والنشيط في النصوص الروائية العربية.

أذكر أنها صارت تطارد الكتّاب هي بدورها، وصار على الكاتب أن يصفّي الجمل والعبارات ويعصرها كي ينبذ منها كل ما من شأنه أن يلوّث سمعتها من الكلمات المباشرة والجمل التقريرية، بذريعة أن النص الأدبي يتطلب الشفافية والمكر والغموض ثم الحجب والستر أكثر مما يتطلب المواجهة.

أظن أن المباشرة قد فُهمت في مستواها الدعائي، أي في المستوى الذي يمكن أن يكون تلخيصاً للشعارات السياسية التي كانت تعج بها الساحات العربية، وهي في الغالب شعارات ذات لون واحد خال من الروح، إذ كانت تستهدف إدخال الجماهير في حظائر السلطة، أكثر مما تبغي جمعهم في مواجهة الأعداء، سواءٌ كان الشعار داخلياً، أي ادعى أنه يقارع الرجعية والقوى التي كانت تُتهم بأنها تعيق التقدم والاشتراكية، أو كان خارجياً يُقصد به محاربة الاستعمار والإمبريالية.

ثمة مباشرة أخرى تلخّصت في رغبة الكاتب في الدفاع عن المحرومين والكادحين من العمال والفلاحين، أو في مقارعة الطغيان. ويمكن القول إن هذا الموقف كان يشمل معظم الكتّاب العرب في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. كان اليسار هو الجامع، وكان يعني الدفاع عن الحقوق العامة والخاصة للشعب.

تذكرت هذا كله بينما كنت أقرأ "حلم العقل" للإسباني أنطونيو بويرو باييخو، فمنذ الصفحة الأولى يباشر المسرحي المواجهة، إذ نرى الملك يطلب من أحد معاونيه أن يقمع المعارضة، ويطلب إليه أن يمنع تدخل القسس عبر محاكم التفتيش، ونرى الملك صريحاً ومباشراً في التعبير عن نفسه، وعن خططه، وعن سياساته. وفي زيادة مباشرة أخرى يتحدثان عن الرسام غويا، ويطلب المستشار من الملك أن يأمر بإعدامه، كما أعدم معارضاً له في اليوم ذاته. ولا يتردد باييخو في كتابة المباشرة السياسية التي قد يحاسَب عليها أي كاتب عربي لو كانت لديه صياغات مماثلة لها.

وهي حملة مبالغ بها، وسببها الدعاية لا الحقائق، ففي الواقع لم يرتكب الكتّاب اليساريون روايات مباشرة فعلاً، وإنما كان السياسيون هم الذين يدعون إلى ذلك، وقد دفع الجيل التالي لنجيب محفوظ الثمن دون أن يدري، فكف الكتّاب عن قول الكثير من الحقائق، وسعوا إلى سترها وحجبها دون سبب غير الخشية من الاتهام بالمباشرة، بينما كان نجيب محفوظ مثلاً يسمح لسعيد مهران اللص، ذي الثقافة العادية أو المتوسطة، أن ينطق بفلسفة أخلاقية وحياتية عميقة، للتعبير عن مشاعره وتخيلاته وأفكاره وأحلامه وخططه، كما يمنحه الحق في الدفاع عن الجرائم التي يرتكبها. وهي كلها عبارات وأنماط تفكير لا تصدر في الحياة الواقعية إلا عن مفكّر. ويسمح للحوار أن يتضمن عبارات شديدة الصراحة عن النفاق واللصوصية والخيانة وغير ذلك، إذ ماذا يمكن أن نسمي الطاغية والظالم والقاتل وقاطع الطريق في الرواية؟