دروس السلطة.. أو حين يعترف الرئيس

دروس السلطة.. أو حين يعترف الرئيس

26 أكتوبر 2018
الصورة
+ الخط -
أصدر الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، قبل أشهر، أول مؤلَف له بعد مغادرة قصر الإليزيه بعنوان "دروس السلطة" (les leçons du pouvoir)؛ وتاسع كتاب في مسار رئيسٍ اتخذ الراحل فرانسوا ميتران (عمل مستشارا عنده)، نموذجا قدوة له في السياسة. تمتزج الحياة الخاصة بالشأن العام في الكتاب، فتحضر أحداث التجربة السياسية؛ على مدار خمس سنوات (2012 - 2017)، بمعية ركام مشكلات الحياة الشخصية التي جعلت من هولاند أول رئيس فرنسي في التاريخ الحديث لم يسع إلى إعادة انتخابه. وفيه أيضا، حديث إلى اشتراكيي فرنسا عن الشوائب التي أفضت إلى انهيار الحزب في فترة حكمه، وإلى كل الفرنسيين عن الأسئلة التي يطرحونها عن وحول الرئيس.
يتوجه فرانسوا هولاند بكتابه إلى كل الفرنسيين؛ خصوصا رافضي أسلوبه في الحكم، قصد التفسير والتبرير وكشف الحقائق. وقد عبّر عن ذلك في مقدمة الكتاب بقوله: "لم أكن أتوقع أن يحاكمني الناس؛ بعد انتهاء فترتي الرئاسية.. كنت أظن أن ما قمت به كفيلٌ، مع الزمن، بالدفاع عن نفسه".
في "دروس السلطة" جرعة زائدة من الجرأة، وكثير من الصراحة والوضوح من رئيسٍ قرّر أن يترك شهادةً للتاريخ بنفسه، واضعا بذلك حدّا لمختلف السرديات التي يمكن أن تقال عن فترته الرئاسية، غير مكترثٍ بالتبعات التي قد تتلو هذا القرار.
تعمّد الرئيس هولاند تسمية الأمور بمسمياتها، فقد كتب بلغة الاعترافات عن الأخطاء السياسية والانتصارات المستحقة والخيبات العاطفة والبوح بأسرار المجالس.. إلى درجة أنه خصص
 فصلا كاملا في كتابه للحديث؛ بلا قيود ولا خطوط حمراء، عما وصفها أخطاء، وجاءت تحت عنوان "أنا نادم على". أول الاعترافات، بعيدا عن بروباغندا المتطرفين الفرنسيين، يتعلق بالإرهاب، حيث يؤكد هولاند أن "لا أحد يولد إرهابيا، ولا شيء يبرّر الإرهاب، غير أن المآسي والصعوبات الاجتماعية والظروف اللا إنسانية التي تُصادف المرء خلال نشأته، تتحكّم في اختياراته وترسم مساره، وإن حدث واقترن كل هذا بالتعصب الديني فتلكم هي الكارثة، النتيجة ستكون العنف لا محالة". لذا لم يتردّد الرجل في الإقرار بأن منفذي الاعتداء على مجلة شارلي إيبدو أنفسهم مجرّد ضحايا للظروف الاجتماعية التي ترعرعوا فيها، إنهم اختصار لطفولة مأساوية.
يعترف الرئيس، ارتباطا بملف الإرهاب دائما، بأن اقتراحه مشروع قانونٍ يقضي بتجريد الفرنسيين ذوي الجنسية المزدوجة، ممن تورّطوا في عملياتٍ إرهابية من جنسيتهم الفرنسية، كان خطأ فادحا أحدث شرخا كبيرا في الأوساط الفرنسية. معتبرا أن تقديره الأمور حينها لم يكن عين الصواب، "لقد قلّلت كثيرا من مدى الصدى العاطفي الذي يمكن أن يسببه هذا المشروع في المجتمع الفرنسي. كنت متيقنا أنه لن يهدّد الحريات العامة والفردية، ولن يخل بمبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين. لكن في نظام ديمقراطي، لا يكفي فقط أن تمتلك الحق، بل عليك أيضا أن تقنع الآخرين".
يحسّ القارئ أن الرئيس يسارع الزمن لوضع تبريراتٍ لكل القرارات التي اتخذها؛ معتمدا الشرح والتفسير بكل الوسائل، حيث يستعين بلغة العاطفة أحيانا، وبالأرقام حين تسعفه ذلك. وقد يذهب إلى حد استحضار انتقادات الخصوم، لكشف ما وراء الكواليس في هذا الملف، أو تلك القضية. بيد أن تلك المساعي لم تثنه عن الاعتراف بجملةٍ من الأخطاء السياسية التي تخللت فترته الرئاسية، منها واقعة فتاة كوسوفو المعروفة باسم ليوناردا التي أُبعدت بمعية عائلتها من فرنسا، والتي أعرب عن ندمه بشأنها، حيث قال: "ليتني استمعت لنصيحة كريستيان توبيرا (وزيرة العدل). عندما أعيد التفكير في عهدتي، أشعر بالندم إزاء هذا الملف". انتابه الندم نفسه بشأن خذلان الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لفرنسا في الملف السوري، فكل شيء كان جاهزا؛ بحسب الرئيس، لتدخل عسكري في سورية من شأنه أن يغير معطياتٍ كثيرة.
وفي الشأن الداخلي الفرنسي، حظي النواب الاشتراكيون الذين تمرّدوا على سياسات الزعيم، وقللوا من مصداقيتها، ومن فعالية نتائجها، معترفا، في المقابل، بما عرفه الحزب من ارتكاب في ولايته. وعن السبب وراء عدم سعيه إلى ولاية رئاسية ثانية، كتب هولاند: "النواب المتمرّدون في الحزب الاشتراكي قللوا منذ بداية عهدتي الرئاسية من مصداقية السياسة التي كنت أتبعها ومن أهميتها. كانوا مقتنعين أن مرشحا آخر هو الذي سيفوز في مكاني". وأضاف: "لقد قطعوا الغصن الذي كنت أجلس عليه، لكنهم نسوا أنهم هم أيضا كانوا يجلسون على الغصن نفسه. وحصل بنوا هامون على 6% من الأصوات، وهذا دليل على أن المتمردين لم يكونوا على صواب".
وكان الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، حاضرا في اعترافات هولاند، من خلال استعراض 
تطور علاقتهما منذ أول معرفة بينهما سنة 2008، حين قرّر هولاند احتضان شاب حديث العهد بالسياسة بتعيينه مستشارا له في القصر الرئاسي، ثم ترقيته لاحقا إلى وزير في حكومته. لكن ماكرون تنكّر لأفضال هولاند عليه، فحوّلها إلى ما يشبه التجاهل الذي شاب علاقتهما، بعد قرار الرئيس الحالي تأسيس حركة "إلى الأمام"، والتي لم يفصح عن كل شيء بشأنها لهولاند. ويتهم الزعيم الاشتراكي ماكرون بالسعي إلى إعادة الأسلوب الملكي إلى قصر الإليزيه، أكثر من ذلك يعتبر أنه "لم يكن يوما من أصحاب الميول الديمقراطية الاجتماعية، وأن التوجهات الحالية لسياساته تفضي لا محالة إلى عدم المساواة الاجتماعية. فماكرون سائر في طريق التحول إلى "رئيس الأثرياء" في نظر هولاند، بقراره خفض الضرائب، على أساس أنه يقوم بإصلاحات سياسية، لكنه في الحقيقة لا يقوم إلا بمساعدة الأثرياء والشركات".
يرى هولاند أن ماكرون يُسيّر فرنسا اليوم كما تُسير شركة تجارية، مستغربا من الطريقة التي يعمل وفقها لتمرير القوانين، ناصحا إياه بقوله: "عندما نغلّب لغة الحوار والتشاور نتوصل دائما إلى نتائج، لكن عندما نستخدم القوة، يمكن أن نفوز، لكن في الوقت، نفقد المصداقية والشرعية".
ويشدد فرانسوا هولاند، في نهاية مذكراته عن أيام قصر الإليزيه؛ فيما يشبه الدفاع عن حصيلة ولايته الرئاسية، على أن "الثقة لا تكون فقط في اقتصاد الدولة، فليست وحدها مفتاح كل شيء. وإنما الثقة في الدولة، في القانون، في العدالة، إلى جانب الثقة في قوات الأمن. فعندما يتم استجواب المواطن بدون سببٍ وجيه، يمكن أن تتعثر وحدتنا الديمقراطية وأن يتسرّب الشك في صفوف السكان".