داعش وعام على دولته الإسلامية

داعش وعام على دولته الإسلامية

07 مايو 2015
الصورة
+ الخط -

تمر علينا في الأيام المقبلة مناسبتان. للمفارقة، تتعلق كل منهما بذكرى قيام دولة في المنطقة العربية، تحت عباءة الدين الإسلامي في الأولى، واليهودي في الثانية، فيما الفارق بينهما يبلغ 66 عاماً.

المناسبة الأولى مرور عام على إعلان قيام دولة داعش الإسلامية، والتي تجري الاستعدادات للاحتفال بها في مدينة الموصل، عاصمة محافظة نينوى العراقية، وسائر مدن "ولايات" الدولة في العراق، في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى، وفي سورية في الرقة وإدلب ودير الزُّور وحلب وغيرها من الأمصار خارج العراق وسورية.

وكان المتحدث باسم التنظيم، أبو محمد العدناني، قد أعلن في يوم 29 يونيو/حزيران 2014، من الموصل عن قيام الدولة الإسلامية، بعد أن تمكنت مليشيات تنظيم داعش من اجتياح محافظة نينوى، والاستيلاء على كل مدينة الموصل، ومناطق عديدة من شمال وشمال غرب العراق، بدعم واضح وقتها من العشائر السنية، وانهيار مخزٍ من القوات العراقية وقوات البشمركة الكردية، وأعلن العدناني أن تلك الدولة هي نواة دولة الخلافة الإسلامية، وأنه تم اختيار أول خليفة لها، وهو أبو بكر البغدادي، باسم أمير المؤمنين إبراهيم الخليفة.

وقعت الأحداث سريعة ومتلاحقة، وأصابت الجميع بالذهول، ففي وسط كل الفوضى التي تسود العراق وسورية، تولد دولة إسلامية من رحم أكثر التنظيمات الإسلامية تطرفاً. تنظيم القاعدة، تستولي على مساحات شاسعة من الأرض الممتدة والمتصلة في العراق وسورية، وتضم محافظات ومدناً بأكملها ومنشآت نفطية، وبنوكاً... بالإضافة إلى المليشيات المسلحة، بتنظيمها وتسليحها ومستواها القتالي غير المسبوق بالنسبة للمليشيات، مؤسسات تصلح لإقامة دولة. وفي حينه، كتبت في "العربي الجديد" مقالاً بعنوان "داعش.. ودولته الإسلامية لماذا الآن؟"، ذكرت فيه أننا أمام إرهاصات دولة إسلامية، لا تعتبر الإسلام ديناً فقط، بل ديناً وهوية أيضا، وبالتالي، تكون تلك الدولة الإسلامية هي الوطن القومي للمسلمين. وتساءلت ما إذا كانت تلك الدولة ستكتمل؟ ومتى؟ وما مستقبلها؟ وما هي انعكاسات قيام هذه الدولة، وتكريسها في قلب الشرق الأوسط؟ وهل قيام دولة دينية إسلامية في الشرق الأوسط، يعطى الزخم المطلوب لإعلان إسرائيل دولة دينية يهودية؟ وقبولها في المنطقة؟

ولم تمض أسابيع، حتى جاء رد الفعل الأميركي بعقد اجتماع تأسيسي في جدة لدول عربية لإنشاء التحالف الجديد لمحاربة الإرهاب، وبالتحديد داعش في العراق وسورية، والذي تم تحويله إلى تحالف دولي يضم أكثر من 60 دولة حالياً، وانطلقت الحرب، وما زالت مستمرة، وتتوسع، ونحن على أبواب الذكرى الأولى لإعلان دولة داعش الإسلامية، والتي يجري الاستعداد للاحتفال بها.

المناسبة الثانية التي نحن بصددها، فهي مرور 67 عاماً على ذكرى ما نسميها عربياً، النكبة، عندما أعلنت "العصابات الصهيونية" قيام دولة إسرائيل على الأرض العربية الفلسطينية، وعلى مدى تلك السنوات الممتدة، تحولت العصابات/ المليشيات الصهيونية إلى إسرائيل "المزعومة" والعدو الصهيوني والعدو الإسرائيلي، وعبر جولات من الحروب، انتهت باحتلال كامل الأراضي الفلسطينية، وهضبة الجولان السورية، ومزارع شبعا في جنوب لبنان، وانتهى الأمر بتلك العصابات/ المليشيات الصهيونية إلى كونها دولة إسرائيل "الجارة" التي يربطها بعدد من الدول العربية المحيطة بها معاهدات سلام، مصر والأردن، واتفاقيات فصل قوات (سورية)، وقرارات دولية بمناطق عازلة (لبنان)، وعلاقات غير رسمية مع عدة دول عربية.

ونجد أنفسنا، بالضرورة، نرجع إلى التاريخ، والظروف التي اتجهت فيها القوى العظمى المهيمنة على العالم، إبّان الحرب العالمية الأولى، إنجلترا وفرنسا، إلى تأييد فكرة الوطن القومي لليهود ودعمها، منذ مائة عام، عندما ظهرت بوادر انهيار دولة الخلافة العثمانية التي كانت صاحبة السيادة على العالم العربي، وقررت الدولتان العظميان إعادة تشكيل المنطقة، على أساس ما عرف باتفاقية سايكس- بيكو، والتي تم عقدها في عام 1916. وفي العام التالي 1917، وعقب دخول الجنرال اللنبي بيت المقدس، بدعم قوات الفيلق العربي، بقيادة الأمير عبد الله بن الحسين، صدر ما يعرف بوعد بلفور، نسبة إلى وزير الخارجية البريطاني في ذلك الوقت، والذي نص على تأييد قيام وطن قومي لليهود في فلسطين! وكان ذلك بمثابة تصريح للعصابات/ المليشيات الصهيونية بالعمل الجاد لقيام الدولة اليهودية، تحت مظلة الانتداب البريطاني على فلسطين، والذي تم ترتيبه في إطار اتفاقية سايكس - بيكو، وتم إعلان الدولة بالفعل من 67 سنة، وتحولت العصابات إلى كيان دخل في صراعات حادة، وواجه تحديات وجودية عديدة، لكنه استطاع التحول إلى دولة نجحت في الحصول على دعم واسع، مكنها من أن تصبح قوة كبرى في الإقليم، ولا شك في أنه كان لهذا الدعم الأثر الرئيسي في استمرار هذا الكيان وتطوره.

لكن، لا بد لنا من التوقف أمام الأمر الأكثر أهمية، وهو أن القائمين على شؤون تلك الدولة من الآباء الصهاينة المؤسسين للدولة نجحوا في إدراك أبعاد المشروع الدولي لترتيب العالم العربي وتقسيمه في ذلك الوقت، ووضعوا أنفسهم في خدمته، وهكذا خلقوا ما يعرف بالحاجة إلى تلك الدولة لدى القوى العظمى، فبالإضافة إلى أنها وضعت حلا لما كانت تعرف بالمسألة اليهودية التي كانت تؤرق أوروبا، فإنها أصبحت بمثابة مخلب قط في المنطقة.

ولأن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن، هناك بالتأكيد من يستفيد من دروس التاريخ وتجاربه، نستطيع القول إن العالم العربي يشهد، في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد، عملية إعادة ترتيب تنهي ما أنشأته سايكس - بيكو منذ مائة عام، لتقيم عالماً جديداً. وفي إطار تلك العملية التي بدأت بتفكيك الكيانات الرئيسية القائمة، ولم تبدأ بعد في إعادة تركيب الكيانات الجديدة، يظهر تنظيم داعش، ويعلن قيام دولة دينية إسلامية. وعلى الرغم من كل ما تعلنه أميركا، باعتبارها تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة من تكثيف ضرباتها، أو توسيع نطاق عملياتها ليتجاوز العراق وسورية، إلى دول أخرى في المنطقة، بدعوى منع داعش من التمدد خارج النطاق الذي أعلن فيه الدولة، أو ضم أعضاء جدد لتحالفها، إلا أن تنظيم الدولة باق، ويتمدد في العراق وسورية، ويستعد للاحتفال بمرور عام على قيام الدولة.

هنا لا بد لنا من سؤال: هل نجح تنظيم الدولة في أن يجعل من وجود دولة دينية إسلامية في قلب الشرق الأوسط الجديد، حتى لو كانت محدودة، مطلباً وحاجة لمن يديرون المشروع، كما نجح تنظيم الحركة الصهيونية منذ 67 عاماً؟ وهل تكمن المشكلة فقط في حدود تلك الدولة، ونطاقها، ومدى خضوعها لمتطلبات المشروع. هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.