خطاب لبناني طارد للاجئين السوريين

13 يونيو 2019
الصورة
إلى أعمالهم (حسين بيضون)

يقول عددٌ من الخبراء والمتابعين لملفّ اللجوء السوري في لبنان والناشطين الحقوقيّين إنّ الخطاب العام والإجراءات الأخيرة الأكثر تشدّداً حيال اللاجئين السوريين هدفها "تطفيشهم" (دفعهم للمغادرة) وإجبارهم على العودة إلى بلادهم مكرهين. وعادة ما "يطفش" المرء إمّا نتيجة "سوء الأحوال" في بلده أو سوء المعاملة. وهذا يصحّ تماماً على اللاجئين الذين تركوا سورية بسبب الحرب التي هددت أرواحهم، والذين قد "يطفشون" مجدّداً بسبب سوء المعاملة في البلد الذي لجأوا إليه، أي لبنان في هذه الحالة.

وما سبق يستند إلى ما شهدته البلاد مؤخراً. فماذا حدث خلال الأيام القليلة الماضية؟
يوم 8 يونيو/ حزيران الماضي، بثّ وزير الخارجية اللبناني ورئيس التيار الوطني الحر وصهر الرئيس اللبناني ميشال عون، جبران باسيل، عبر حسابه على "تويتر"، مقطعاً مصوراً لمجموعة من شباب حزبه معلّقاً: "بتحب لبنان.. وظّف لبناني". وفي تغريدة لاحقة، كتب: "طبعاً نريد أن نميز المواطن اللبناني عن غير اللبناني بالعمل والسكن والضريبة وأمور كثيرة، وهذا ليس تمييزاً عنصرياً بل سيادة الدولة على أرضها. من الطبيعي أن ندافع عن اليد العاملة اللبنانية بوجه أي يد عاملة أخرى سواء كانت سورية، فلسطينية، فرنسية، سعودية، إيرانية أو أميركية، فاللبناني قبل الكل".

وفي وقت سابق، قال عون أمام ممثّلي مجموعة الدعم الدوليّة للبنان إن حجم الخسائر الاقتصاديّة التي لحقت بلبنان نتيجة أزمة النزوح السوري بلغ 19 مليار و486 مليون دولار أميركي، بينما حصل لبنان على 9 مليارات و720 مليون دولار على شكل مساعدات. وفي المحصّلة، تكون الكلفة الصافية لأزمة النزوح نحو 9 مليارات و776 مليون دولار بعد حسم المساعدات من قيمة الخسائر.

كذلك، شهدت دير الأحمر، يوم الأربعاء الماضي أي في الخامس من يونيو/ حزيران الجاري، وهي بلدة لبنانية من قرى قضاء بعلبك في محافظة بعلبك الهرمل، إشكالاً بين لاجئين سوريين وأحد عناصر الدفاع المدني في أحد المخيّمات، أدى إلى ضرب سائق سيارة الإطفاء ودهس عدد من خيم اللاجئين وتهديدهم، ما دفع بعشرات اللاجئين إلى مغادرة المخيم، ثم أشعل مجهولون النار في خيام المخيم، في وقت لاحق. يضاف إلى ما سبق إجراءات أخرى مشددة، من قرار هدم الخيام الإسمنتية في مخيمات عرسال، وإقفال محلات تابعة للسوريين، وإزالة المصلحة الوطنية ل​نهر الليطاني​ بعض خيام النازحين وغيرها.

وباستثناء الأصوات الفردية المناهضة وبعض الأصوات على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتماد البعض وسم #جبران_باسيل_لا_يمثلني، و#مطلوب_إقالة_وزير_خارجية، و#ضد_خطاب_الكراهية، لم تصدر منظّمات أو جهات معينة موقفاً واضحاً يظهر ماهية أزمة اللجوء السوري في لبنان.

أمام إحدى الخيام (فينسنت ليكومبتيه/ Getty) 


وفي النتيجة، توصّل لبنانيون إلى مجموعة من الخلاصات عبروا عنها من خلال تغريدات على "تويتر" منها: "العنصرية وخلق بيئة عدائية ضد اللاجئين لإجبارهم على العودة إلى مناطق غير آمنة يعدّ تهجيراً قسرياً وليس عودة طوعية". "توجد أزمة بطالة كبيرة اليوم في لبنان بين الشباب المتخرجين حديثاً وحملة الشهادات العليا! من المسؤول؟ اللاجئون؟ علينا محاسبة السياسيين قبل الانجرار إلى خطاب شعبوي فارغ".

في هذا السياق، يقول المستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية، أديب نعمة، لـ "العربي الجديد"، إنّ "تصريحات باسيل تدلّ على أنه لم يتصرّف كوزير للخارجية، لأنّ هذا يتطلّب اعتماده لغة متوازنة ودبلوماسية، بل تصرّف كرئيس تيار سياسي استفاد من موقعه كوزير للخارجية ليضمن تأثيراً أكبر وهو سلبي. وكونه وزيراً للخارجيّة، سيحظى بحضور وتغطية إعلامية وبالتالي يتمكن من الوصول إلى جمهوره". والأهداف، بحسب نعمة، ترتبط بالتنافس الداخلي بين الخصوم المسيحيين، والضغط على الحكومة وتحديداً رئيس الحكومة سعد الحريري وتيار المستقبل، إضافة إلى توجيه رسائل إلى الخارج هي مطالب من الدول المانحة والمنظمات الدولية.

والأكثر خطورة بالنسبة إلى نعمة، هو غياب تصدٍّ ممنهج لهذا الخطاب، حتى من قبل الرافضين له، من خلال الاستناد إلى أرقام وحقائق، خصوصاً أنه يرى التصريحات الأخيرة أخطر من سابقاتها. "ويبدو أن ما يحدث ممنهج وقد يؤدي إلى صراع اجتماعي. وهناك نية لجعل المواطنين يشعرون أن الحصول على حقّ إنما هو على حساب الآخر". ويشير إلى رغبة في أخذ الصراع إلى مكان آخر، أي من مواجهة بين الموازنة والشعب اللبناني إلى النظر إلى اللاجئ السوري كعدوّ أساسي، وتحميل الفقراء واللاجئين مسؤولية الأزمة الاقتصادية. من هنا، يرى أن لغة التحريض هي التي أدت إلى مشكلات في بلدة دير الأحمر.

أين الصوت؟

ينتقد نعمة غياب أو ضعف صوت منظّمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، على غرار المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لافتاً إلى أن "الأصوات كان يجب أن تكون أعلى. لماذا الخجل؟ أين هؤلاء المستفيدون من وجود السوريين على غرار أصحاب الأراضي الزراعية؟". يضيف: "في قطاع التعليم وحده، بات هناك نحو 12 ألف وظيفة بفعل اللجوء السوري، علماً أنّ العدد كان يتراوح ما بين سبعة آلاف وثمانية آلاف. أما أصحاب المطاعم، ففي حال استبدلوا العمال السوريين، كيف سيكونون قادرين على تأمين رواتب مضاعفة في ظل ارتفاع فوائد المصارف وبدلات الإيجار وغيرها؟ الركود الاقتصادي المتمادي يدفع كثيرين إلى التعويض من خلال استغلال اليد العاملة الرخيصة".



أحد الحلول، برأي نعمة، يتمثل في العمل على تقليص الفارق بين كلفة العامل اللبناني والسوري، من خلال تحديد حد أدنى للأجور، وتسجيل العامل السوري لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أي تنظيم سوق العمل. ثم يسأل: "لماذا التركيز على اللاجئين السوريين، علماً أن هناك 200 ألف عامل في الخدمة المنزلية على الأقل من جنسيات غير سورية؟ بل يقدّر عدد العمال الأجانب غير السوريين في لبنان بنحو 350 ألف عامل، يضافون إلى نحو 400 ألف عامل سوري. كما أن لبنان ملتزم بالاتفاقيات الدولية التي تنص على عدم العودة القسرية للاجئين". ويرى أن "هذا التحريض الخيالي لن يساهم في تحسين وضع الناس المعيشي. وفي حال رحيل السوريين، قد نرجوهم العودة للعمل في قطاعات الزراعة والبناء. كما أنّ الوجود السوري ساهم في دخول ملايين الدولارات إلى بلديات مثل عكار (في الشمال اللبناني) وغيرها، لم تشهد أبداً مبالغ مماثلة".

يشير نعمة، استناداً إلى مجموعة من الدراسات، إلى أن "الفقر لم يرتفع نتيجة اللجوء السوري، بل انخفض. ما حصل هو زيادة المنافسة بين الفقراء على المهن الفقيرة. كما أن تحويلات السوريين، واستهلاك المواد الغذائية، واستئجار البيوت وغيرها، كلها ساهمت في تحريك العجلة الاقتصادية". يضيف أن "الركود الاقتصادي مرتبط بالحرب السورية وليس اللجوء، نتيجة تعطل الاستيراد والتصدير براً، وغيرها، إضافة إلى الأسباب الداخلية. صحيح أن السوريين شكلوا ضغطاً على بعض الموارد، إلا أنهم جلبوا معهم موارد أخرى عادت بالنفع على الاقتصاد اللبناني". في النتيجة، "ما يحدث اليوم هو حالة تفكك شاملة، وإظهار الصراع على أنه لبناني سوري وليس لبنانياً لبنانياً".

تجدر الإشارة إلى أنه بحسب معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، فإن المساعدات النقدية التي تقدم على شكل بطاقات إلكترونية لـ 654 ألف لاجئ سوري مسجلين في لبنان، هي 27 دولاراً لكل فرد. كما أن 29 في المائة من الشباب اللاجئين السوريين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاماً يعملون في لبنان، ويعمل 86 في المائة منهم في ثلاثة قطاعات/ البناء (24 في المائة)، الزراعة (29 في المائة)، والخدمات الأخرى وتشمل التنظيف (33 في المائة). كما أن 15،4 في المائة هي نسبة اللاجئين السوريين المسجلين من إجمالي عدد السكان في لبنان، و24،4 في المائة هي نسبة السوريين المسجلين وغير المسجلين من إجمالي عدد السكان.

هنا يطهى الطعام (فنسنت ليكومبتيه/ Getty) 


غرباء

يلاحظ هنا الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت والمتابع والمدافع عن قضايا اللاجئين، ناصر ياسين، خلال حديث لـ"العربي الجديد"، أن الاجراءات التي تتخذ مؤخراً حيال اللاجئين تشير إلى وجود خطة منظمة لخلق بيئة عدائية حيالهم، علماً أن الظروف ما زالت غير مؤاتية لعودتهم إلى بلادهم. و يشير إلى أن الضغط السكاني الذي فرضه اللاجئون السوريون عُدّل من خلال تحريكهم العجلة الاقتصادية. ولا ينكر أن "التراكمات التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب وممارسات الجيش السوري في لبنان تحكم نظرتهم إلى الغريب في أحيان كثيرة. بالنسبة إلى كثيرين، الغريب يأخذ أرزاقهم. في المقابل، فإن ارتفاع نسبة اليد العاملة تتطلب تنظيم القطاعات غير المنظمة. مثلاً في تركيا، يحق للمؤسسات الصغيرة توظيف أجنبي في مقابل كل خمسة أتراك، من دون نسيان أن أزمة البطالة في لبنان تشمل اليد العاملة الماهرة بشكل أكبر".

إلى ذلك، يتحدّث الخبير الاقتصادي والمالي جورج قرم، لـ "العربي الجديد"، عن تأثيرين إيجابي وسلبي للجوء السوري في لبنان. من جهة، ساهم اللجوء السوري في تنشيط الحركة الاقتصادية في البلاد، لناحية ارتفاع نسبة المستهلكين والمساعدات وغيرها، ومن جهة أخرى أدى إلى مضاربة اليد العاملة السورية للبنانية كونها أرخص، ما أدى إلى إفقار الطبقة اللبنانية الفقيرة أصلاً. "والمنطق هنا هو الاتفاق مع الدولة السورية على استعجال عودة اللاجئين بطريقة سلمية". ويسأل: "من هو البلد الذي يمكن أن يستقبل خلال عامين هذا العدد الكبير من اللاجئين؟ علماً أن تعاطي اللبنانيين مع السوريين كان إيجابياً. كما لا ينفي تأثير الأزمة السورية على الاقتصاد اللبناني، خصوصاً أن اقتصادي البلدين مرتبطان.

ماذا عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتي لم تعلّق في بيان على كل ما يحدث؟ في تصريحات بدت دبلوماسية، ركزت الناطقة باسم المفوضية ليزا أبو خالد على "الحفاظ على الاستقرار والسلم". تقول لـ "العربي الجديد" إن "النقاشات على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تزيد التوتر والعنف وسط البيئة الحالية. بالتالي، يجب السيطرة على التوترات والتحريض على العنف لضمان بيئة سلمية لكلا المجتمعين اللبناني والسوري".



تضيف أنّ "العقاب الجماعي للاجئين السوريين في لبنان سيزيد الوضع سوءاً. لا ينبغي معاقبة جميع اللاجئين في لبنان بسبب حادثة واحدة (دير الأحمر)، وخارج النظام القضائي. وفي وقت يستعد اللاجئون للعودة إلى سورية على المدى المتوسط، يجب الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم في لبنان". وتوضح: "في حين أن الهجوم على الدفاع المدني من قبل أي فرد من أي جنسية أو خلفية مدان ومرفوض، كما العنف بشكل عام من قبل أي جانب، من المهم وضع الحقائق على الطاولة، وإجراء تحقيق رسمي من قبل السلطات المعنية في هذا الصدد"، مشيرة إلى أن "للحادث تأثيراً مباشراً على العائلات التي تعيش هناك".

نتائج كارثية

من جهتها، تقول المحامية والناشطة الحقوقيّة ديالا شحادة، إنّه "لا الدولة السورية تحبّذ عودة مئات آلاف السوريين الداعمين للمعارضة، ولا الطبقة الحاكمة في لبنان تحبّذ بقاءهم. ما الحلّ وسط إشكالية هذه؟ ممارسة المزيد من الضغوط عليهم فإما يرمون أنفسهم في البحر أو يغادرون. والحجة هي أن البلاد لم تعد تحتمل، وإن لم يكن من دلائل علمية تؤكد الأمر".

وإن كانت شحادة رافضة لتصريحات باسيل، تقول إنه لا يمكن تصنيفها في إطار خطاب الكراهية، باعتبار أن تعريف الكراهية هو تحريض ما على عنف معنوي أو بدني ضد فئة معينة. لكن التحريض موجود في بعض وسائل الإعلام وغيرها. تشير إلى أن اللاجئ السوري ليس مسؤولاً عن قرار صاحب مطعم بتوظيفه، موضحة أن "كل هذا التضييق سيؤدي إلى نتائج كارثية، وسيلجأ السوري إلى السرقة للعيش. هل من سياسة وطنية؟ هل من دراسة تؤكد أن لبنان متضرر حقاً من اللجوء السوري؟ ماذا عن ضمان عودة آمنة للاجئين بالتنسيق مع الدولة السورية؟ ولماذا يتحمل اللاجئ كل ما يتعرض له من إساءات في لبنان؟ أليس لأن العودة أكثر سوءاً في ظل النظام والمناطق المدمرة؟".

على الرغم من كل ما سبق، يخشى نعمة المزيد من التوترات الأمنية في البلاد، على غرار ما شهدته دير الأحمر وغيرها. برأيه، "من الطبيعي أن يرتفع منسوب الرفض بين اللبنانيين للسوريين لأنهم يسمعون كلاماً مضللاً يومياً".