خطاب كراهية في عيد الاستقلال: ترامب يقسم الأميركيين ثقافياً

05 يوليو 2020
الصورة
يعيش ترامب انفصالاً عن الواقع (شيب سموديفيلا/Getty)

انضم وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، إلى وجوه الغرانيت التاريخية المحفورة على سفح جبل رشمور في ولاية داكوتا الجنوبية. كان ذلك في العالم الافتراضي، حيث واصلت حملة الرئيس الجمهوري، الطامح لولاية ثانية، عرضها الأخير، واضعة رجل الأعمال النيويوركي، الذي يزداد نفور الأميركيين منه يوماً بعد يوم، حتى من داخل أبناء جلدته من الحزب الجمهوري، والذي أصبح خطابه التقسيمي أكثر فجاجةً مع توالي الأزمات وتشابكها في الولايات المتحدة، في صورة على الشبكة الإلكترونية، إلى جانب جورج واشنطن وفرانكلين روزفلت وأبراهام لينكولن وتوماس جيفرسون. لكن ترامب، الذي كان يلعب الغولف يوم الجمعة الماضي في ستيرلينغ، قبل التوجه إلى داكوتا الجنوبية، يدرك جيداً أنه يواجه أصعب أيامه، وهو اختار مرة أخرى أن يواجه ما تمر به الولايات المتحدة من سجال يتخطى الطابع الآني، للبحث عن المستقبل، وسط أزمة صحية صعبة، وحراك مفتوح ضد العنصرية، وانقسام حول الخيارات الاقتصادية والمجتمعية، بلغة انحدارية، لكنها تؤسس للمزيد من الانقسام.

تحريض مكثف ضد من سماهم ترامب "اليسار الفاشي"

وفيما سجّلت الولايات المتحدة ارتفاعاً جديداً بنسبة 90 في المائة لحالات الإصابة بفيروس كورونا خلال الأسبوعين الماضيين، وفي وقت تغلق فيه أوروبا والمكسيك وكندا أبوابها بوجه الأميركيين، اختار الرئيس الأميركي مناسبة عيد الاستقلال الوطني ليطلق خطاباً تقسيمياً هو الأكثر نشازاً له منذ إطلاقه شعار "أميركا أولاً" خلال حملته الرئاسية للعام 2016. ولم يأبه الرئيس لوفاة أكثر من 125 ألف أميركي إلى الآن بوباء "كوفيد 19"، بل أقدم على خطوة "انتحارية" أخرى، مستغلاً مناسبة وطنية، لبث السم في نفوس قاعدته البيضاء، عبر التحذير من تسونامي "اليسار الراديكالي" الذي يحاول محو التاريخ الأميركي.

 

وكان من المفترض أن يستضيف سفح جبل رشمور في مدينة كيستون بولاية داكوتا الجنوبية، حيث حفرت وجوه رؤساء تاريخيين للولايات المتحدة، "حدثاً رسمياً ينظمه البيت الأبيض"، أول من أمس الجمعة، عشية عيد الاستقلال الأميركي. عوضاً عن ذلك، تحول الاحتفال إلى مهرجان انتخابي لدونالد ترامب، ترافق مع ألعاب نارية، وخطاب ناري للرئيس أيضاً، أطلق خلاله أقوى حملاته التقسيمية والتحريضية، مستهدفاً الحراك المستمر في الولايات المتحدة ضد العنصرية، ومحذراً قاعدته الصلبة من خطر ما سماه "اليسار الفاشي".
هذا الجنوح المتواصل لاعتماد نفس "القومية المتعصبة" بدل النفس "الوطني"، بات اليوم يضع حملة ترامب في مأزق، بعدما أخذ أسلوبه في إدارة البلاد بالتكشف لدى الرأي العام الذي يواصل التعبير عن سخطه منه في استطلاعات الرأي، ويجعل الرئيس في موضع يمارس فيه آخر محاولاته وتكتيكاته لشدّ عصب قاعدته الصلبة، الرافضة للاعتراف بالوباء، في وقت يعتبر هذا السلاح سيفاً ذا حدين له مع تسارع وتشابك الأزمات التي بات يشعر فيها المواطن الأميركي بالقلق الجدّي على "تفوقه".
وفيما كان ترامب يضع الحراك الشعبي المستمر منذ شهر مايو/أيار الماضي ضد عنف الشرطة، وحملة تدمير، والدعوات لتدمير، تماثيل الشخصيات الأميركية التاريخية التي استفادت من العبودية، في إطار المؤامرة اليسارية "الفاشية" التي ستقود البلاد إلى الديكتاتورية، كان سكان أصليون من داكوتا الجنوبية، حيث اختار ترامب تجمعه، ينددون أيضاً بتجمع انتخابي قد ينقل إليهم الوباء، فيما هم من الأكثر عرضة لتداعياته الخطيرة، نتيجة التهميش الاجتماعي الذي يعتبرون من أبرز ضحاياه داخل المجتمع الأميركي.
وقال ترامب في خطاب، قوبل بهتافات "أربع سنوات أخرى" من قبل مؤيديه، ورفع بعضهم شعارات ضد شبكة "سي أن أن" الإخبارية تتهمها بأنها "شبكة الحزب الشيوعي"، إن "الأيديولوجيا الراديكالية التي تهاجم بلدنا تتقدم تحت لواء العدالة الاجتماعية، ولكن في الحقيقة، هي سوف تقضي على العدالة والمجتمع". وأضاف في إشارة إلى الحراك الشعبي أنه "سيحول العدالة إلى أداة تقسيمية وانتقامية، ويحول مجتمعنا الحر إلى مكان للقمع والسيطرة والاستبعاد. إنهم يريدون إسكاتنا، لكننا لن نسكت".

شعارات مناصريه ضد شبكة "سي أن أن" الإخبارية تتهمها بأنها "شبكة الحزب الشيوعي"

وتحت أعين وجوه جورج واشنطن وفرانكلين روزفلت وأبراهام لينكولن وتوماس جيفرسون المحفورة، حاد الرئيس الأميركي عن المضامين التوحيدية التي عادة ما يلقيها الرؤساء الأميركيون عشية عيد الاستقلال. ومتحدياً الحملات المتصاعدة لإزالة تماثيل لشخصيات ارتبطت أسماؤها بتاريخ العبودية والعنصرية، أعلن ترامب أنه بصدد بناء منتزه عام يضم تماثيل "أعظم الشخصيات الأميركية في التاريخ"، واصفاً نفسه بالرئيس القوي الذي سيحمي الدستور و"التعديل الثاني" في الحرب ضد "فاشية اليسار المتطرف الجديد"، الذي رأى أنه يشكل خطراً على القيم الأميركية ويسعى لمحو التاريخ. وقال ترامب في هذا الصدد إن "أمتنا تشهد حملة بلا رحمة لمحو تاريخنا، والتشهير بأبطالنا، والقضاء على قيمنا، وغسل أدمغة أطفالنا". ومتوجهاً إلى حشد من المؤيدين، قلة منهم ارتدوا الأقنعة الواقية من الفيروس المستشري في الولايات المتحدة، قال الرئيس إن "الغوغائيين الغاضبين يسعون إلى تدمير تماثيل مؤسسي الولايات المتحدة، وتشويه معالمنا التذكارية الأكثر قدسية، وإطلاق موجة من الجريمة العنيفة في مدننا". وأكد أنه "لن يجري ترهيبنا من قبل أشخاص أشرار، سيئين"، في إشارة إلى خصومه السياسيين ومؤيديهم.
ومتغاضياً عن تحذير الخبراء من الخطر المحدق بالبلاد إذا ما استمر تفلت فيروس كورونا وسط إعادة فتح الاقتصاد وتراجع مستويات الوقاية، لم يتطرق ترامب سوى بطريقة عابرة خلال خطابه إلى الأزمة الوبائية، فيما سجلت البلاد ارتفاعاً بنسبة 90 في المائة من الحالات الجديدة الموجبة خلال أسبوعين. وفيما كان الرئيس يغادر واشنطن إلى داكوتا الجنوبية، سجلت 5 ولايات أميركية على الأقل، هي ألاباما وألاسكا وكنساس وكارولينا الشمالية وكارولينا الجنوبية، الارتفاع الأكبر على الإطلاق لأعداد المصابين بـ"كوفيد 19" التي سجلت في يوم واحد، كما أطلقت مدن كبرى مثل هيوسن ودالاس ولوس أنجليس أجراس الإنذار، بعدما شهدت معدلات ارتفاع جدية في أعداد الإصابات. وبات من الواضح كذلك أن الوباء بإمكانه التغلغل إلى البيت الأبيض، إذ ألغى نائب الرئيس مايك بنس رحلة خلال الأسبوع الحالي إلى أريزونا، بعدما تأكد إصابة عناصر من فريق الأمن السري المرافق له بالوباء، أو أظهروا عوارض مرضه. وكان ثمانية من فريق حملة ترامب، من الذين ساعدوه لتنظيم مهرجان في منطقة تولسا بأوكلاهوما الشهر الماضي، قد تأكدت إصابتهم.

لم يتطرق ترامب سوى بطريقة عابرة خلال خطابه إلى الأزمة الوبائية

عوضاً عن ذلك، اختار ترامب الهجوم على ما وصفه بحملة "محو الثقافة" المرتبطة بدعوات إزالة التماثيل، مؤكداً أنه الخيار الأنسب للدفاع عن التاريخ الأميركي وفرض القانون. وبعدما استبق مؤيدوه التجمع بنشر صورة مفبركة لسفح جبل ريشمور يظهر وجهه منحوتاً إلى جانب أسلافه التاريخيين، قال ترامب "إنهم يعتقدون أن الشعب الأميركي ضعيف وناعم وخنوع. لكن لا، الشعب الأميركي قوي وفخور، ولن يسمح لبلدنا وجميع قيمها وتاريخها وثقافتها بأن تؤخذ منهم". ورددت الحاكمة الجمهورية لداكوتا الجنوبية، كريستي نويم، هجمات ترامب على خصومه الذين "يحاولون محو دروس التاريخ"، قائلة "لا تخطئوا، يتم ذلك عن عمد لتشويه سمعة المبادئ التأسيسية لأميركا من خلال تشويه سمعة الأفراد الذين شكلوها".
ورأت صحيفة "نيويورك تايمز" أن المشهد في سفح ريشمور هو الأخير لترامب، الذي يظهر فيه كرئيس "منفصل إلى حد كبير عن القلق العميق الذي يعيشه الأميركيون حول الأزمة الصحية التي تعيشها البلاد"، كما أن خطابه يتخطى "الحملة الانتخابية"، ليسلط الضوء على المدى الذي وصلت إليه محاولة الرئيس الجمهوري اجتذاب مواطنين يريد منهم إيصاله إلى ولاية ثانية في البيت الأبيض، عبر تحوير مواضيع الاهتمام، وزرع الخوف والتقسيم.
وكان ترامب، قبل تعمقه في الانقسامات الأميركية الجمعة، قد شدد خلال الأسبوعين الماضيين تركيزه على أكثر قاعدة مؤيديه حماسة، مع تزايد المخاوف داخل حملته من تراجع أرقام ونسب استطلاعات الرأي عن شعبيته في ولايات حاسمة تقرر انتخابات 2020. وانتقد ترامب في الأسابيع الأخيرة بشكل متزايد "غوغاء اليساريين"، وزار الحدود الجنوبية للبلاد لتسليط الضوء على التقدم المحرز في وعد حملته للعام 2016 ببناء جدار حدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك. وطار الرئيس من منطقة أميركية إلى أخرى، لجمع حشد كبير من المؤيدين في حملته الانتخابية، معظمهم بلا أقنعة وكلّهم يخالفون إرشادات الصحة العامة التي توصي بعدم التجمع في مجموعات كبيرة.
واحتفل ترامب أيضاً أمس، في حديقة البيت الأبيض بما أسماه "تحية لأميركا" بمناسبة العيد الوطني، بعرض عسكري جوي، وإطلاق ألعاب نارية في "المول الوطني" الذي يخضع لسلطة البيت الأبيض، متغاضياً مطالبات عمدة واشنطن مورييل باوسر بمنع التجمعات.
وخلال حفل ريشمور، أثار قادة العديد من القبائل الأميركية الأصلية في المنطقة مخاوف من أن الحدث قد يؤدي إلى تفشي الفيروس بين أعضائها، الذين يقولون إنهم معرضون بشكل خاص لـ"كوفيد 19" بسبب نظام الرعاية الصحية الذي يفتقر إلى التمويل والأوضاع الصحية المزمنة. وقال هارولد فرايزر، رئيس قبيلة نهر سو القبلي، إن "الرئيس يعرّض أفراد قبائلنا لخطر التقاط صورة في أحد أقدس مواقعنا". واستغلت بعض الجماعات الأميركية الأصلية زيارة ترامب للاحتجاج على نصب جبل رشمور التذكاري نفسه، مشيرة إلى أن التلال السوداء أخذت من شعب لاكوتا، فيما حمل متظاهرون منهم لافتات كتب عليها "حماية شعب سوداك الأول"، و"أنتم على أرض مسروقة".