حياة اللاجئ السوري أكثر شقاء

08 سبتمبر 2017
الصورة
صار بإمكاني قراءة كلّ شيء (بولنت كيليك/ فرانس برس)
+ الخط -
بالرغم من التراجع الكبير الذي شهدته نسبة الأمّية في سورية خلال السنوات الثلاثين الماضية، إلّا أنّ الحرب الدائرة منذ ست سنوات في البلاد والتي تسببت بدمار البنية التحتية التعليمية في الكثير من المناطق، تهدد بمضاعفة أعداد الأمّيين في المجتمع، في حال لم يلتحق الأطفال المنقطعون عن المدارس بدورات تعليمية لتعلم القراءة والكتابة قبل بلوغ سن الخامسة عشرة.

وفقاً للتقديرات الصادرة عن البنك الدولي عام 2015 لنسب الأمية في دول العالم، تصل نسبة الأمية في سورية إلى 13 في المائة من السوريين ممن هم فوق الرابعة عشرة من العمر. وتبلغ النسبة 19 في المائة بين الإناث و8 في المائة بين الذكور.

وكانت ظروف الحرب قد ضاعفت من المصاعب التي يعانيها كثير من الأمّيين أساساً، ومنهم أم كفاح (35 عاماً)، اللاجئة في لبنان. تقول: "حين كنت طفلة كانت هناك مدارس في مدينتي، لكنّ والدي قرّر أن يرسل إليها أشقائي الذكور فقط، فقد كانت فلسفته في الحياة أنّ النساء لبيوتهن وأزواجهن، ولا حاجة لإنفاق المال على تعليمهن. أمي أيضاً كانت أمّية".

تتابع: "لم ألمه يوماً على ما فعل كما لمته حين ترمّلت ولجأنا إلى لبنان، فقد باتت كلّ المسؤوليات على عاتقي، لكن كنت عاجزة عن أداء معظمها، فلديّ 3 أطفال يحتاجون إلى الطعام والمأوى والمدارس. وحين حاولت تسجيل أولادي في المدرسة لم أستطع حتى قراءة اللافتات والاستدلال على الطرقات والمباني. ضعت في أيّ مكان، فالمكان الذي يبعد نصف ساعة لا أصل إليه قبل ساعة ونصف. في مدينتي كنت أحفظ كلّ شي عن ظهر قلب، ولم أظن يوماً أني سأهجّر منها. عدا عن صعوبات حياتنا باتت أبسط المعاملات كابوساً حقيقياً، فحين أتلقى رسالة من المفوضية على هاتفي أستعين بجارتي أو بابني البكر لأعرف مضمونها".

تضيف أم كفاح: "العام الماضي سمعت عن دورة محو أمّية للنساء في المخيم يشرف عليها ناشطون. لم أتردد أبداً في الذهاب طوال ثلاثة أشهر، بالرغم من أنّي كنت أعمل في أحد الحقول بقية اليوم. بعد شهرين صرت قادرة على كتابة أسماء جميع أبنائي بلا أخطاء وكنت سعيدة جداً حينها. اليوم صار بإمكاني قراءة كلّ شيء تقريباً ولو ببطء، فأنا على الأقل أعتمد على نفسي".

تتركز الأمّية في سورية في الأرياف النائية شمال وشرق البلاد. يروي عباس (62 عاماً)، الذي يعيش في ريف حلب الشرقي، ملامح من معاناته مع الأمّية: "حين كنا صغاراً، كنت أظنّ أنّ الجميع مثلي لا يقرأون ولا يكتبون. كانت ضيعتنا مؤلفة من 10 بيوت ولم تكن فيها مدرسة ولا كهرباء. كان أبي مثلي لا يقرأ ولا يكتب ويقول لنا إنّ الكتابة لا تطعمنا خبزاً. لما صار عمري 17 عاماً نزلت إلى المدينة لأبحث عن عمل، فلم يعد مدخول الزراعة جيداً ولم أكن أحبها، هناك عرفت معنى أن أكون أمّياً، فلم يرضَ أحد بتوظيفي لأنّي لا أقرأ. عملت عتالاً (حمّالاً) بليرات قليلة في الشهر، ولم أتمكن من التقدم إلى وظيفة دولة... حتى وظيفة آذن المدرسة كانوا يطلبون لها شهادة ابتدائية".

يتابع: "عندما بدأت والدتي تبحث لي عن عروس كنت أُرفَض للسبب نفسه، بالرغم من أنّ بعض الفتيات هؤلاء كنّ أمّيات أيضاً، إلى أن قبلت بي زوجتي، التي كانت تقرأ وتكتب". يضيف: "دفعت الثمن، فقد عشت فقيراً لا أتلقى غير أجر بسيط لا يكفي حتى لشراء الطعام. عملت تحت إمرة من هم أصغر مني سناً، ورجعت بعد سنوات إلى الزراعة، في حين تعلّم بعض ممن كانوا معي في العتالة التجارة وتحسنت حياتهم لأنهم يقرأون ويكتبون". لكنّه يستدرك: "صحيح أنّي لم أقرأ كتاباً يوماً لكنّي تعلمت من الحياة الكثير، وأهم ما تعلمته أنّ الأمّية مرض صعب جداً، وأكثر ما يحزّ في قلبي حتى اليوم أنّي لا أستطيع أن أقرأ القرآن، مع أني حفظت نصفه سماعاً".

أما أم أحمد (43 عاماً، من القامشلي)، فتقول: "لم أكن مسجلة في سجلات الدولة، والداي كذلك، كغيرنا من الأكراد هنا، ولم يكن يحق لي دخول المدرسة. كبرنا ولم نتعلم. أقرأ الأرقام فقط، وأكتب اسمي واسم زوجي وأولادي. هذا كلّ ما أعرفه. أرادوا لنا أن نظل جاهلين ولم نستطع أن نغير هذا".

تضيف: "حياة الشخص الأمّي صعبة. يحاولون استغلالك لأنّك لا تعرف. حين أشتري من البقالة لا أعرف هوية المعلبات، وحين نشاهد الأخبار على التلفزيون لا أعرف ماذا يكتب على الشاشة، بل يقرأها من هم حولي وأصغي إلى ردود أفعالهم، لأنّي لا أحب كثيراً أن أسأل، وحين أكون وحدي أستمع للراديو أكثر". بالرغم من عدم قدرتها على القراءة، تفتخر أم أحمد بقدرتها على استعمال الهاتف المحمول، وتقول "يمكنني الاتصال بأبنائي وزوجي كوني أحفظ أسماءهم، وأستعمل التسجيلات في الواتساب، لكن حين تصلني رسائل نصية، أطلب من غيري أن يقرأها لي".