حرب مفتوحة داخل "نداء تونس": صراع على القيادة والتحالفات

حرب مفتوحة داخل "نداء تونس": صراع على القيادة والتحالفات

09 أكتوبر 2015
الصورة
مشاكل "النداء" تصب في مصلحة "النهضة" (الأناضول)
+ الخط -

دخلت الحرب المفتوحة بين أجنحة حزب "نداء تونس" مرحلة خطيرة، يمكن أن تكون ارتداداتها مؤثرة على مسارات وطنية متعددة. فالحزب الفائز بالانتخابات التشريعية الأخيرة يعرف حالة من التذبذب والخلاف بين أعضاء كتلته البرلمانية، مما يعني أن تواصل الصراع يمكن أن يؤثر على مسار علاقتها بالحكومة وربما بطبيعة الحكم نفسه على المستويات الثلاثة، الرئاسية والتشريعية والتنفيذية. ولعل توقيع أكثر من ثلاثين نائباً على عريضة لإسقاط وزير التعليم العالي، أخيراً، من دون الرجوع إلى مؤسسات الحزب، دليل على هذا التسيّب الذي أصبح يميّز نسق عمل الحزب بشكل عام.

وعلى الرغم من أن الصراع يبدو محصوراً في التنافس القائم بين الأمين العام الحالي للحزب، محسن مرزوق، ونجل الرئيس التونسي ورئيس الحزب الباجي قائد السبسي، حافظ، إلا أنه في العمق صراع على إدارة الحزب قبل المؤتمر التأسيسي له، لإعداد مرحلة ما بعده، أي تحديد مستقبل التحالفات السياسية والحكومية وإدارة شأن البلاد، مما قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في المشهد التونسي برمته.

وتدرك الأطراف المتصارعة داخل "نداء تونس" أن هذه الأشهر الثلاثة، التي تسبق عقد المؤتمر نهاية هذا العام، ستكون مصيرية بالنسبة لأيّ منها، وهو ما جعل المعركة تتحول إلى معركة مفتوحة وعلنية في المركز وداخل الجهات، في سباق محموم لحشد المؤتمرين، وهو ما يشكّل جوهر الصراع الحالي بين مرزوق والسبسي الابن، في الظاهر، وبين التيارين الدستوري واليساري في الواقع.

غير أن هذه المعركة تسير بالتوازي مع معركتين هامتين، معركة فكرية حول هوية الحزب، ومعركة تموقع حول علاقة الحزب بالحكومة. وجاءت استقالة الوزير الأزهر العكرمي، المحسوب على التيار اليساري في الحزب، لتشعل هذا المسار وتُخرج إلى العلن قلقاً مكتوماً من الحزب، حول ما يسميه المنزعجون خروج الحزب من الحكم ومن إدارة البلاد، وبالتالي سقوط الوعود الانتخابية وفشل الحزب في الوفاء بها.

غير أن المسألة لم تعد متوقّفة على مجرد إبداء الرأي والتعبير عن هذا القلق، وإنما تحوّلت إلى مواجهة صريحة مع رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، عبر مواقف لقياديين في الحزب، بينهم منذر بلحاج والعكرمي. وتقود هذه المواقف صراحة إلى وجوب تغيير الحكومة، والدخول في صراع مفتوح مع رئيسها، الذي يلقى في المقابل تأييدا من التيار الدستوري في الحزب.

غير أن ما بدأ يُلاحظ في الفترة الأخيرة هو التباين داخل هذا التيار الدستوري نفسه، إذ تأسست في الوقت نفسه تقريباً جمعيتان مدنيّتان، الأولى منتدى العائلة الدستورية، والثانية المؤسسة البورقيبية للحوار من أجل التنمية والديمقراطية، مما جعل البعض يتساءل عما يدفع أعضاء في حزب إلى تأسيس جمعية خارجه؟

اقرأ أيضاً: "نداء تونس" على مفترق التوحيد أو التقسيم

غير أن متابعين يقولون إن الغرض الرئيسي هو إيجاد بدائل، تعبّر عن بعض مكونات الحزب، بعد أن أحست بالعزلة داخله، وهي إمكانيات سياسية متاحة إذا انتهى الصراع بغلبة تيار على الآخر بعد المؤتمر. وعلى الرغم من التقارب الفكري الظاهر بين الجمعيتين، لأن أغلب المنتسبين لهما من الدستوريين والتجمعيّين (نسبة إلى حزب التجمع المنحل) فإن هناك انزعاجا محدوداً بدأ يظهر في الآونة الأخيرة، خصوصاً أن المؤسسة البورقيبية تستعد نهاية الأسبوع المقبل إلى عقد اجتماع كبير للإعلان عن نفسها، وضع تحت إشراف الباجي قائد السبسي.

ويبدو من الطبيعي أن يقبل السبسي بوضع هذا الاجتماع تحت رعايته، فهو ملتزم بالنهج البورقيبي إلى النخاع، غير أن هذا الأمر يعني بشكل غير مباشر أنه يميل إلى المؤسسة البورقيبية، وأنه أقل حماسة تجاه منتدى العائلة الدستورية.

وعلمت "العربي الجديد" أن مدير الديوان الرئاسي الحالي، والقيادي السابق في الحزب، رضا بلحاج، يمكن أن يشرف بنفسه على الندوة البورقيبية، وسط معلومات عن تقارب سياسي مع الشق الدستوري وحضور مقرّبين منه في اجتماعات الجهات مع حافظ السبسي، وهو ما يمكن أن يغير من المعادلة داخل الحزب، ويمهد لقيادة بلحاج الممكنة خلال المؤتمر المقبل.

ولا يخفي قياديون في "النداء"، تحدثوا مع "العربي الجديد"، أن رضا بلحاج بإمكانه قيادة الحزب في المرحلة التي تلي المؤتمر، وهو ما يستوجب الاستعداد لها عبر تحالفات مسبقة مع التيار الغالب، التيار الدستوري.

من جهة ثانية، أثار تصريح رئيس حركة "النهضة"، راشد الغنوشي، لـ"العربي الجديد"، الذي أكده للإذاعة الرسمية في تونس، حول الجدّ المشترك للدستوريين والإسلاميين، عبد العزيز الثعالبي، جدلاً كبيراً لم يهدأ إلى الآن، وبرز صراع الهوية من جديد داخل الحزب بشكل قوي للغاية.

غير أن هذا الجدل حول الهوية هو في الحقيقة جدل سياسي بامتياز، إذ ينظر العديدون بكثير من الريبة إلى هذا التقارب الدستوري الإسلامي، الذي يمكن، إن تم، أن يسيطر على المشهد السياسي التونسي برمته. وعلى أساسه وجّهت قيادات يسارية في "النداء"، منها عبد المجيد الصحراوي، اتهامات مباشرة لـ"النهضة" بالتدخّل في شؤون "نداء تونس"، وتغليب شق على آخر عبر تمويلات ودعم مباشر للتيار الدستوري، وهو ما اعتبره الغنوشي كلاماً فارغاً، على الرغم من أن "النهضة" لا تخفي ميلها نحو حافظ قائد السبسي، ورؤوف الخماسي، مؤسس هذا التقارب بين "النداء" و"النهضة".

ومع الصراع القائم داخل "نداء تونس"، تراقب باقي الأحزاب نهاية الأحداث في الفترة المقبلة، لتحيّز أية فرصة، فـ"الجبهة الشعبية" اليسارية أعلنت عبر زعيمها، حمة الهمامي، أنها لا بد من أن تستعد للحكم أمام فشل الحكومات السابقة والحالية، فيما يدرك كثيرون أن مشاكل "النداء" تصب في مصلحة "النهضة" التي ستكون مؤهلة أكثر من غيرها بحكم استعدادها المادي والتنظيمي للفوز بالانتخابات المقبلة، على الرغم من استبعاد العديدين داخل "نداء تونس" الانقسام وتأكيدهم أن الخلافات مسألة طبيعية يمكن أن تُحسم قريباً.

اقرأ أيضاً: استقالة العكرمي تلقي تداعياتها على الحكومة التونسية و"نداء تونس"

المساهمون