حال اليسار العربي4.. أمراض الدولة تصيب "الشيوعي" اللبناني

19 مارس 2015
الصورة
أمراض الدولة اللبنانية انعكست على الحزب الشيوعي (حسين بيضون)
+ الخط -
منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1990)، بقي الحزب الشيوعي اللبناني الملجأ التنظيمي الوحيد الصامد من بين كل التكتلات والأحزاب والتنظيمات اليسارية الأخرى التي نشطت وتأسست خلال الحرب أو قبلها. من ذلك الحين، وحتى قبله، ترك الحزب الاشتراكي التقدمي (بزعامة نجل المؤسس كمال جنبلاط النائب وليد جنبلاط) خطاب الجماهير والطبقة العاملة والإصلاح وانضمّ إلى الجمهورية اللبنانية بمؤسساتها الطائفية ومصالحها. سبق أن انفرط عقد منظمة العمل الشيوعي، إحدى التنظيمات اليسارية ذات الطابع النخوبي.

باقي التجمعات اليسارية الأخرى انضوت تحت أجنحة سياسية أكبر، بخطابات قومية أو وطنية تعيش منها وعليها. وبذلك انحسر الوجود الشيوعي والنشاط اليساري على الحزب الشيوعي بقياداته المتنوعة وحركة مجموعة من الشخصيات المستقلة أبرزها فواز طرابلسي ونهلة الشهال وبول أشقر والنائب السابق حبيب صادق.

وتفكّكت منظمة عمل الشيوعيين بعد انتهاء الحرب، قسم كبير من القيادات الشيوعية تركت التنظيم وانضوت تحت جناح السلطة وتياراتها (مثلاً كالراحل نصير الأسعد)، أو استكملت العمل السياسي من مواقع أخرى، مثل النائب السابق، سمير فرنجية. قاد كل ذلك إلى تسليم أزمة اليسار ووجوده إلى يد الحزب الشيوعي الذي بقي محافظاً على الحد الأدنى المطلوب من التماسك في تنظيمه، فتم تلزيم اليسار بشكل أو بآخر للحزب.

مبادرة عند كل استحقاق

عند كل استحقاق أو على أبواب كل انكشاف سياسي وتنظيمي جديد، تطلق قيادة الحزب الشيوعي اللبناني مبادرة أو تجمعاً رافعة شعار "وحدة اليسار" و"الإنقاذ الوطني" أو غيرهما من العناوين الفضفاضة، تحرّك القيادة مسؤوليها للتشاور مع الشخصيات اليسارية والشيوعيين المعتكفين أو الذين ملّوا من تكرار الأحاديث والمشاريع نفسها، وبالتالي الفشل نفسه.


يطرح اليوم الأمين العام في الحزب الشيوعي اللبناني، خالد حدادة، "مبادرة للخروج من أزمة الحزب الشيوعي". أطلق حدادة عليها اسم "مبادرة حسن إسماعيل" وهو من أبرز قياديي جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، أقدم الأخير على الانتحار في 27 ديسمبر/كانون الأول 2014، ففهم حدادة ومن معه أنّ المطلوب ردّ الاعتبار لإسماعيل من خلال خطوة مماثلة.

دعت مبادرة الأمين العام إلى وقف النقاش الحزبي العلني، وعودة الشيوعيين من خارج التنظيم الى الحزب لنقاش الأزمة، وثالثاً تشكيل لجنة من أبرز القيادات التاريخية للشيوعي، تدير الحوار حول المخارج السياسية والتنظيمية لـ"توحيد اليسار والقوى الديمقراطية في هذه الحقبة".

باشر المعنيون بالمبادرة الاتصالات بعدد من القيادات السابقة، أبرزها السكرتير الثاني السابق في الحزب، كريم مروة، وعضو المكتب السياسي السابق، جورج بطل، وأعضاء "حركة الإنقاذ" بزعامة القيادي السابق، غسان الرفاعي، ومجموعة أخرى من القياديين المقرّبين من الأمين العام السابق، جورج حاوي، (الذي اغتيل في 21 يونيو/حزيران 2005 بتفجير سيارته في بيروت)، بالإضافة إلى مسؤولين في حركة اليسار الديموقراطي وأبرز وجوهها المسؤول العسكري السابق في الشيوعي، النائب السابق إلياس عطا الله.

تصرّ القيادة على هذا السبيل لانتشال الحزب والشيوعيين واليساريين من أزمتهم، في حين أن هناك داخل التنظيم الحزبي معارضين ينسفون هذا المشروع باعتباره غير جدي "من المعيب إطلاق عليها اسم الرفيق حسن إسماعيل لأنّ تكريمه لا يكون على هذا المستوى المتدني" كما يقول أحد الحزبيين. وفي هذا الإطار يقول قيادي شيوعي سابق لـ"العربي الجديد" إنّ "التواصل تم معه تحت عنوان المبادرة" إلا أنه لم يستجب ولن يفعل "باعتبار أنّ التجارب المماثلة السابقة أثبتت فشلها".

ثلاثي القيادة

تولّى قيادة الحزب الشيوعي منذ انكفاء الأمين العام الأسبق، الشهيد جورج حاوي، ثلاثة قياديين هم: حدادة والأمين العام السابق فاروق دحروج ونائب الأمين العام السابق سعد الله مزرعاني، الذي فصلته القيادة من التنظيم عام 2013.

يريد حدادة الاستمرار في منصبه ولو كان ذلك على حساب القانون الحزبي الداخلي، يبحث دحروج عن العودة إلى الأمانة العامة، بينما مزرعاني يحاول إعادة الاعتبار لنفسه بعد المؤامرة التي أخرجته من اللعبة الحزبية. الحسابات الشخصية داخل الحزب الشيوعي ضيّقة لدرجة أنّ هذه الأقطاب لا يمكن أن تجتمع في التنظيم والرؤية ولا في أي شيء آخر. ولا يمكن جمعها إلا نقد مماثل أو توصيف هذا الواقع، من داخل الحزب ومن خارجه.

يشير عدد من القياديين السابقين في التنظيم الشيوعي إلى أن "المبادرة تبحث عن إعادة طرح النقد الذاتي، لا يريدون نقاشاً في السياسة ولا في التنظيم، فقط تكرار لحفلة نقد ذاتي، نجلد فيها أنفسنا منذ انتهاء الحرب الأهلية". ويشير القيادي إلى أنّ جملة من الأزمات لا يمكن ان تُحل وفق مشاريع مماثلة، "الشيوعيون عالقون في هاجس الدخول إلى البرلمان، ويرون أنّ مواجهة النظام الطائفي يكون من خلال التصويب عليه والتشهير به في حين يمكن للعمل على الملفات الاقتصادية أن تفي بالمواجهة".

فعليّاً، لا مساحة داخل الحزب وفي مبادرته لنقاش الموقف المفترض من الثورات العربية، من الانقسام الإقليمي بقطبيه، من صيغة الصراع الثنائي الداخلي، من حزب الله وسلاحه، وغيرها من القضايا الأساسية المفترض في أي تنظيم شيوعي أن يصيغ كرّاسات حولها.

وإذا كان المطلوب من الشيوعيين اليوم إنقاذ وجودهم في ساحة لبنانية ينهشها الخطاب المذهبي من جهة ولغة العسكر والحرب من جهة أخرى، فلا بد من الإشارة إلى مجموعة من عوامل أزمة اليسار والشيوعيين بعيداً عن الأزمة العالمية التي أصابتهم منذ سقوط جدار برلين.
وفي قراءة عدد من المسؤولين الشيوعيين التاريخيين لما يحصل لليسار في لبنان، فإنّ النظام اللبناني حولّ الحزب الشيوعي إلى نسخة مصغرّة عنه.

لبنان مصغّر

يبحث الشيوعيون عن هوية جديدة لهم منذ الانكسار مطلع التسعينيات. يريدون عنوان "المقاومة" لكنهم أقصوا عنه بفعل تصفية مفكري الشيوعيين ومقاومين في بيروت وعلى جبهات الجنوب، ترجمةً لقرار سوري ــ إيراني بتلزيم هذا الملف لحزب الله.

لم يمنعهم ذلك من الاستمرار في تبني تقسيم الطوائف إلى “الطوائف الوطنية والطوائف غير الوطنية” وهو ما اعتمدوه خلال الحرب في مواجهة "اليمين المسيحي" بالتحالف مع القوى الإسلامية. فيكررون التجربة نفسها، اليوم، عند الانحياز لقوى "المقاومة"، وهم مقتنعون بأنه يمكن التباين مع حزب الله حول السياسات الداخلية والتعاون معه في مواجهة إسرائيل.

لا تزال قيادة الحزب تحافظ على هذا الموقف على الرغم من الكثير من التجاوزات التي قام بها الحزب داخليّاً وخارجيّاً، في السياسية والعسكر والأمن والاقتصاد.

أما الشعارات التي يرفعها الحزب الشيوعي لتغيير المجتمع والنظام اللبناني يمكن للمعارضين فيه أن يرفعوها في وجه قيادتهم. إذ تمارس هذه القيادة على الحزبيين الممارسات نفسها التي تعتمدها السلطة اللبنانية في حق مواطنيها. رفض الشيوعيون التمديد للمجلس النيابي (عامي 2013 و2014)، بينما المكتب السياسي يمدّد لنفسه ولأمينه العام منذ 2013، في ظل عجز عن تنظيم المؤتمر التنظيمي الحادي عشر، تماماً كما تعجز السلطة عن إجراء الانتخابات النيابية.

يطالب الحزب بإقرار قانون للانتخابات النيابية على قاعدة النسبية، في حين دوائره التنظيمية لم تطرح وتقرّ النسبية في الانتخابات الحزبية. يعترض الشيوعيون على غياب الموازنة العامة في الدولة اللبنانية منذ 2005، في حين لا موازنة داخل الحزب منذ 2009.

يكافح الحزب، أسوة بالأحزاب الشيوعية العالمية، للدفاع عن الحريات، في حين تقمع القيادة المحاربين فتمنعهم من التعبير تحت تهديد الفصل من التنظيم أو العقاب التنظيمي. وكذلك هي حال المحاصصة بين القيادات التي تقتسم ما تبقى من قطاعات ومؤسسات يملكها الحزب منذ ثمانينيات القرن الماضي، فيتم تدميرها منهجيّاً فعل هذه السياسة والحروب الصغيرة الدائرة بين أعضاء المكتب السياسي وآخرين في اللجنة المركزية.

أما الفساد فله الكثير من الروايات والفصول داخل الحزب، بحسب التجارب، منها بيع وتأجير ممتلكات حزبية وأخرى في سرقة بعض المخازن الخاصة بالحزب لا يزال التحقيق فيها مستمراً.

وفي خطوة إضافية للتماثل مع التجربة اللبنانية هناك من يسعى إلى إدخال الحزب في موجة العسكرة التي يعيشها المجتمع اللبناني منذ ما يقارب العقد، بعد الأزمة التي انطلقت باغتيال الرئيس، رفيق الحريري عام 2005.

فبحسب مسؤولين في "الشيوعي"، خصصت قيادة الحزب عشرات الشبان الشيوعيين بتدريبات على أيدي مجموعات من "سرايا المقاومة" (التابعة لحزب الله)، في إطار مشروع الدفاع عن النفس والأرض بوجه العدوين الإسرائيلي والتكفيري. ليكون الحزب الشيوعي آخر المنضمّين حديثاً إلى هذه السرايا، التي كان لها دور "مميز" في المعارك العسكرية المتنقلة، أبرزها أحداث 7 مايو/أيار 2008، والتي كانت عبارة عن "ميني" حرب أهلية.

يقود كل ذلك إلى القول، إنّ الحزب الشيوعي بات نسخة عن المجتمع، الذي يناضل من أجل تغييره. ومن هذا الواقع يمكن إطلاق النقاش حول أزمة اليسار والشيوعيين وكيفية استنهاضهم.