أزمة اليسار العربي6.. ناشطون غير منظمين ضد الأحزاب الرسمية

21 مارس 2015
الصورة
مظاهرة للاشتراكيين الثوريين في القاهرة (فرانس برس)
+ الخط -
على الرغم من أفول اليسار العربي المنظم -ماعدا التونسي منه لظروف ثورة 14 جانفي التي منحته قبلة الحياة-، لا تزال نار يسارية مشتعلة تحت رماد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العربية، إذ نجح عدد من المنتمين إلى التيار اليساري، في تجاوز التجربة الحزبية، والعمل وسط الجماهير دون أطر تنظيمية، من هؤلاء لبنانيون اختاروا العمل بعيداً عن الأحزاب اليسارية التقليدية.

يريدون إسقاط النظام الطائفي ويحاربون اليسار "الرسمي". يختلفون في الفكر والانتماء ويلتقون في المظاهرات والاعتصامات. حاولوا إسقاط النظام الطائفي عام 2011، لم ينجحوا ولم ييأسوا.

لبنان

أنتج ناشطون يساريون مستقلون في لبنان تجربة خاصة بهم إلى جانب تجربة الأحزاب اليسارية التقليدية. غادر بعضهم الانتماء الحزبي واستقل، في حين مارس البعض الآخر نشاطه اليساري بشكل مستقل منذ البداية.

ينتمي هؤلاء إلى مختلف المدارس من التروتكسية إلى الستالينية، ويعملون في أطر شبابية فردية وجماعية للتعبير عن رفض الواقع اللبناني الطائفي كـ"اتحاد الشباب الديموقراطي"، "المنتدى الاشتراكي" و"طلاب شيوعيون". نقل هؤلاء تجاربهم من خلال المنشورات ثم مواقع التواصل الاجتماعي وترجموها على أرض الواقع في الاعتصامات والتحركات.


يشكل "اتحاد الشباب الديموقراطي" أبرز تلك الأطر منذ انطلاقته بشكل رسمي منذ عام 1970، حاملاً شعار "خبز وعلم وحرية". يشير رئيس الاتحاد الحالي، حسان زيتونة، إلى "استمرار الاتحاد في رفع هموم الشباب والطلاب في إطار اتحاد الشباب الديمقراطي اليساري العالمي لمواجهة النظام الطائفي الظالم للشباب".

وخلال فترات العدوان الإسرائيلي على لبنان "شكل اتحاد الشباب الجناح المدني للمقاومة من خلال المنشورات، والعسكري من خلال شباب مقاومين، كسهى بشارة وأنور ياسين". يؤكد زيتونة أن قياس نجاح اليسار يكون "بالخواتيم لأن المكاسب الجزئية كزيادة بدل النقل للموظفين أو طرح شطب القيد الطائفي أو الزواج المدني دائماً عرضة لانقضاض السلطة الحاكمة عليها".

إلى جانب الاتحاد ينشط "المنتدى الاشتراكي" في لبنان من خلال سلسلة تحركات نظمها في الفترة الأخيرة تناولت اللجوء السوري ومكافحة العنصرية اللبنانية تجاه السوريين. يهتم المنتدى كذلك بتوثيق الحركة العمالية في لبنان من خلال موقع "منشور"، ونشر التحليلات المتعلقة بالثورات في البلدان العربية من خلال إصدار "الثورة الدائمة".

نضال ناشطة في المنتدى تشير إلى أن "توحد المجموعات اليسارية صعب، فالبعض اختار الوقوف إلى جانب الأنظمة والديكتاتوريات، أما المنتدى فيؤمن بنظرية الثورة الدائمة (التروتسكية)، ولا يفرق بين ديكتاتور وآخر أو حرية وأخرى". كما شهدت الجامعة اللبنانية الرسمية تحركات إصلاحية عدة نفذتها مجموعات يسارية كـ"شباب خائف على وطن".

بعيداً عن الأحزاب

يقول نجا، وهو عضو في الحزب الشيوعي اللبناني وناشط في نادي "لكل الناس" الثقافي، إن "عمل اليسار أصبح بالقطعة، نتضامن مع جورج عبد الله حيناً ونطالب بإسقاط النظام الطائفي أحياناً أخرى دون مشروع كبير يضمنا. وقد فشلت الأحزاب اليسارية في تحويل قدرات وطاقات كوادرها إلى مشروع تغيير، فاختار هؤلاء مساراتهم الخاصة للنشاط اليساري".

أما باسل (أستاذ جامعي) وهو ناشط يساري مستقل فيدعو إلى "دراسة تجربة مسيرات إسقاط النظام الطائفي لأنها قدمت نموذجاً عن شكل العمل اليساري المطلوب بعيداً عن تدخلات الأحزاب الطائفية والناشطين الذين حاولوا شخصنة التحركات".

شكلت تلك المسيرات صدى الثورات العربية في لبنان، انطلقت في 27 فبراير/شباط 2011 وانتهت في 26 يونيو/حزيران 2011 بعد خمس فعاليات في المناطق اللبنانية تناقص فيها عدد المشاركين من حوالي 20 ألف في المسيرة الأولى في بيروت إلى بضع مئات في آخر مسيرة في مدينة صيدا جنوبي لبنان.

يعزو صالح أسباب التناقص إلى "تشعب الشعارات وتدخل الأحزاب الطائفية التي أفرغت التحرك من معناه"، ويدعو إلى "تحرك راديكالي يسقط النظام الطائفي عوضاً عن طرح عناوين فرعية كالزواج المدني أو العنف ضد المرأة مثلاً".

يختار الناشطون المستقلون في اليسار اللبناني عناوين كبيرة لمعاركهم الداخلية، ويؤمنون بأن الوقت كفيل بتحقيق التغيير المطلوب رغم عدم تحقيق التحركات السابقة النجاح. يعتقدون أن أخطر من يواجههم هو "العودة إلى الطوائف، أما اليأس فليس خياراً رغم الصعوبات".

مصر والاشتراكيون الثوريون

تعد "الاشتراكيون الثوريون" منظمة يسارية شبابية مصرية، لعبت وفقاً لأستاذ التاريخ الأمريكي، مارك ليفين "دوراً مهماً في تنظيم ميدان التحرير خلال الثورة المصرية في 2011، كما تشارك الآن في تنظيم الحركة العمالية" في مرحلة ما بعد الرئيس مبارك.

لا يقف الاشتراكيون الثوريون، عموماً، في الموقف الذي يتبناه عجائز الفكر اليسار المصري، إذ يعلنون بوضوح رفضهم لجميع أشكال الاستبداد القائم على الحكم العسكري، ويرون في 30 يونيه انقلاباً صريحاً على الاستحقاق الديمقراطي، ولا يتخذ موقفاً عدائياً من التيار الإسلامي الذي يخالفونه أيديولوجيّاً.

كما يستنكر الاشتراكيون الثوريون مواقف اليسار المصري الذي أبدى تأييداً في بادئ الأمر للثورة الشعبية في سورية ثم أصبح يسوّق جديّاً لـ"هيمنة القوى الإرهابية على المشهد السوري"، وذلك بمجرد تحول الصراع من الطابع السلمي إلى شكله المسلح، ومن ثم أصبحت التنبؤات الخاصة بانتهاء الثورة وهزيمتها هي الأكثر هيمنة عليهم.

فيما عكفت العديد من القوى اليسارية على تصدير الخطاب القومي وترويج أكاذيب نظام "الممانعة" والمؤامرات الصهيونية في المنطقة في تخبط واضح وتفسيرات غير ناضجة للحالة الثورية العامة.

وتؤكد مقالات الكتاب المنتمين للحركة وتصريحاتهم على الفصل بين الظروف الموضوعية، التي فرضت نفسها على الساحة بقوة، للثورة السورية، وبين الأحلام الطوباوية في صنع ثورة شعبية اجتماعية خالصة كانت أحد العوامل التي لم يستطع منظرو بعض فصائل اليسار المصري، أو غير اليسار، الإفلات منها.

لعل اختلاف مسار الحدث السوري اختلافاً كبيراً عن باقي ثورات المنطقة، كتونس ومصر، وتقديم نموذج صراع مسلح "سريع" و"طويل المدى"، قد أثار مجالاً متسعاً لتشويهات الأفكار البرجوازية في مقابلة الأفكار الماركسية المشيرة إلى حتمية اصطدام الثورات الشعبية الجذرية بأجهزة الدولة القمعية.

وفي سنة 2013 عقدت مجموعة من الأحزاب والحركات اليسارية تحالفاً تحت اسم "التحالف الديمقراطي الثوري"، مكوناً من حزب التجمع والحزب الشيوعي وحزب التحالف الشعبي والحزب الاشتراكي المصري، وتم إقصاء "الاشتراكيين الثوريين" من المشاركة بسبب انحرافها اليساري في نظر الأغلبية اليسارية التي سارت في ركاب حزب التجمع.

مهمة شاقة في فلسطين المحتلة

تبدو مهمة البحث عن النموذج اليساري الفلسطيني، الذي يشكل بوصلة للشباب حين تختلط الأمور في المشهد السياسي الفلسطيني صعبة، وسط سيطرة اليمين الوطني ممثلاً بـ"فتح" واليمين الديني ممثلاً بـ"حماس" على القضايا الوطنية، بل وعلى الدم الفلسطيني، فلكل أجندته ومدرسته ومناصروه، وبات لقائهما، معاً، من شبه المستحيلات وإن كان ضرورة وطنية ملحة.

البحث عن اليساري الفلسطيني مهمة شاقة، اليساري الذي لم يتم ليّ ذراعه بالمستحقات المالية من منظمة التحرير التي يتفرد الرئيس، محمود عباس، بالقرار فيها، ما يضطر اليساري إلى الإذعان أو المشاكسة الإعلامية فقط، دون موقف جذري واضح مما يجري.

والمهمة تصبح أكثر تعباً في البحث عن اليساري الفلسطيني الذي لم تفسده أموال المانحين ولم يتبوأ منصباً في المؤسسات غير الحكومية "آن جي أو"، التي بُنيت في مطلع التسعينيات على أكتاف من كانوا، يوماً، رموز اليسار الفلسطيني ومنظريه.

والمهمة تبدو شاقة، بل مستحيلة عند البحث عن رمز من رموز اليسار لا يركب سيارة "جيب" حديثة ولا يعيش في بيت فخم اشتراه بأقساط بنكية، ولا يعلم أولاده في إحدى المدارس الخاصة.

وتصبح مهمة البحث سوريالية بامتياز عندما ترى رموز اليسار الفلسطيني في المسيرات والمظاهرات بربطة عنق وبدلة أنيقة وساعة يد فخمة، في مظهر يذكرك بكل أبجديات البروليتاريا المقموعة التي حفظها اليساريون عن ظهر قلب.

لكن بعيداً عن رموز اليسار الذين نشاهدهم على وسائل الإعلام، ما زال هناك أمل في القليل ممن يحاولون إكمال الطريق الذي بدأوه عبر عملهم في التدريس الجامعي أو المحاضرات التطوعية التي ينظمونها، لكن محدودية وجمود خطابهم يترك أثره على عدم اتساع قاعدتهم في الشارع بين الشباب خصوصاً، لاسيما في ظل الاستقطاب الحاد بين الخطاب الوطني لـ"فتح" والديني" لـ" حماس"، حيث بات الخطاب الاجتماعي والطبقي مهمشاً للغاية، أما بقية اليساريين الذين لعبوا دوراً أساسيّاً في الانتفاضة الأولى (1987) وهم الغالبية التي لم تحظ بنصيبها من الشهرة والأضواء، فقد كفروا فعليّاً بتنظيماتهم اليسارية وهجروها بعد أن رأوا رموزها يتربعون على عرش الفصيل عقوداً وعقوداً، ووجدوا ضالتهم في العمل الاجتماعي الصامت، أو الثقافي، بعد أن رجموا المرحلة وتنظيماتهم بحجارة الخيبة.