حال اليسار العربي3.. الاشتراكيون في مصر إلى اليمين دُر

18 مارس 2015
الصورة
حادثة مقتل شيماء الصباغ أحرجت القيادي اليساري عبدالغفار شكر
+ الخط -
أزمة هوية تمر بها التيارات "اليسارية" الشهيرة في العالم العربي، بعد لجوئها إلى مواقف تتعارض مع مبادئها.
ولعل "حزب التجمع" المصري، الذي تأسس على أنقاض الاتحاد الاشتراكي، من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ أعطى الحزب، في عهد رئاسة رفعت السعيد، جلّ اهتمامه للصراع مع الإسلام السياسي، فيما كانت معارضته للنظام أقل حدةً من معاركه المفتعلة مع شركائه في المعارضة، وهو ما أتاح له فرصة كبيرة في الظهور في الإعلام الرسمي والدعم الحكومي في السنوات الأخيرة، خاصة أثناء حكم مبارك.

وبينما عانى اليسار المصري من الانشقاقات الداخلية، وعدم القدرة على التحالف والتوحد تحت راية واحدة، رغم اعتقاده بقدرته على قيادة المعارضة المصرية، اتفق على مناصبة الإسلام السياسي العداء، ما أوجد له دورا وظيفيا في النظام السياسي المصري.

التجمع

تقل أهمية باقي الأحزاب التي تصنف ضمن اليسار في مصر أمام التجمع إذا علمنا- مثلاً- أن تحالف القوى الاشتراكية، وهو تحالف سياسي مكون من خمس مجموعات يسارية واشتراكية مصرية، في سنة 2011 لم يزد عدد أعضائه كثيراً عن خمسة آلاف عضوٍ.هذه الأحزاب هي "الحزب الشيوعي المصري، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والاشتراكيون الثوريون، والحزب الاشتراكي المصري، وحزب العمال الديمقراطي". في حين يبلغ عدد أعضاء حزب التجمع اثنين وعشرين ألف عضو.

العهد الجديد

لا يعرف كثيرون- خاصة في السنوات الأخيرة- عن حزب التجمع سوى أنه حزب يضم رفعت السعيد وسيد عبدالعال وحسين عبدالرازق، وإن كان السعيد أكثر بروزاً في الإعلام، بعد ثورة 25 يناير 2011، إذ تم تقديم السعيد في بعض حواراته مؤرخاً للأيام الأخيرة لحكم مبارك. في الوقت الذي كانت مجموعة من شباب الحزب قد ثارت عليه وأعلنت الاعتصام حتى يرحل السعيد المتمسك بكرسي الحزب، الذي صار في عهده ديكوراً سياسياً لخدمة الحزب الوطني الحاكم.

وقد ارتضى رفعت السعيد ذلك الوضع، ونال عليه مكافآت سياسية، تمثلت في تعيينه نائبًا بمجلس الشورى لسنوات عدة وحتى آخر مجلس، الذي حل مع قيام ثورة 25 يناير، وذلك على الرغم من علمه بمساوئ النظام وفساده وتصنته على معارضيه؛ واعترافه قائلًا: "أحزاب المعارضة تحت السيطرة وما زالت حتى الآن".

الانقلاب العسكري

رحب حزب التجمع سريعاً بتغييب العملية الديمقراطية، بحجة خروج الملايين في 30 يونيو/حزيران 2013 بعد عام واحد من حكم الرئيس محمد مرسي، ثم رحب بشدة بفض اعتصام رابعة الدموي، بعد أن دعم رجاله فكرة وصم الجماعة بـ"الإرهابية" وكيف أنها جماعة فاشية، مرتمياً في أحضان النظام العسكري القائم على أشلاء العملية الديمقراطية بلا أي ضمانات سياسية. مستنكراً تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش عن فض رابعة، ومرحباً ومشيداً بتقرير لجنة تقصي الحقائق الموالية للنظام.

عقب تسلم سيد عبدالعال رئاسة الحزب رسمياً خلفاً لرفعت السعيد، ظهر اليساري القديم في ثياب اليمينيين الداعمين للحكم العسكري، مصرحا بأن المشير السيسي الأقدر على العبور بمصر إلى بر الأمان، فيما كان حزب التجمع التقدمي الوحدوي أول الداعمين للسيسي في السباق الرئاسي الهزلي، كما وصفه يساريون مستقلون.

الصباغ تحرج عبد الغفار

يتفق حزب التحالف الاشتراكي المؤسس بعد ثورة 25 يناير في ذات التوجه العام مع التجمع، ويكفيه أن رئيسه عبدالغفار شكر هو رئيس المجلس الأعلى لحقوق الإنسان الذي شكلته الحكومة ليقدم تقريراً حول أدائها في أحداث فض رابعة.

شكر كان قد اكتفى بتقديم العزاء في الشهيدة شيماء الصباغ ابنة حزب التحالف الاشتراكي التي سقطت برصاص الأمن في تظاهرة سلمية، قائلاً: "العزيزة شيماء.. دماؤك الذكية تستعيد قوة الدفع الثوري، وتؤكد أن شعبنا سيحمى ثورته ويقدم المزيد من التضحيات إلى أن تتحقق أهدافها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، وهو ما دعا اليساريين المستقلين للسؤال عن مدى اتفاق كون عبدالغفار شكر رئيس حزب التحالف الاشتراكي مؤمناً بالثورة على الاستبداد، ثم عمله كأحد أذرع النظام للترويج لرواياته عن الحالة الحقوقية في الوقت الراهن.

اليسار على يمين النظام

يشير حسين عبدالرازق- رئيس المكتب السياسي لحزب التجمع- إلى العلاقة الطيبة المستمرة لليسار مع النظام الحاكم، نافيا تعرض اليسار لاضطهاد من قبل النظام الراهن، فيما يصف حزب التجمع على لسان رئيسه جميع الحركات المعارضة للنظام العسكري بأنها تمارس الغباء السياسي. واصفاً الحركات الثورية مثل 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين بالعملاء الذين باعوا أنفسهم للإخوان.

اليسار في الشارع المصري

بحسب مراقبين، فإن رغبة الدولة في إيجاد "اليسار المعارض" تعد أحد أبرز العوامل في تشكل الكيانات اليسارية التي تشير أعداد منسوبيها إلى غياب العمق الشعبي، على الرغم من شعارات ومبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة، ما أدى إلى تحول اليسار إلى تيار نخبوي له وجود ضعيف في الجامعات، ووجود نادر في الشارع.


وتدل الأعداد القليلة جداً من المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب والشخصيات اليسارية في البرلمان المصري، خلال تاريخه عن طريق الانتخابات، على الحجم الحقيقي للتيارات اليسارية في حسابات الشارع المصري، فقد كان أقصى عدد من الأعضاء الممثلين لليسار ستة نواب منتخبين في برلمان 1995. لكن حسابات النظام كانت تنفخ باستمرار في رماد الوجود اليساري، عبر تعيينات لرموز سياسية يسارية من قبل رئيس الجمهورية، في مجلسي الشعب والشورى.

في عهد مرسي اعتبرت جبهة الإنقاذ، التي ضمت كماً معتبراً من الكيانات اليسارية، على لسان متحدثها حسين عبدالغني أي تعيينات رئاسية لمعارضين في مجلسي الشعب والشورى "رشى سياسية"، بينما لم يكن الأمر كذلك أيام مبارك، حين كان رفعت السعيد ضيفاً دائماً معززاً مكرماً على مجلس شورى مبارك.

الربيع العربي

يرى مراقبون أنه مع بداية الثورة الليبية تعرضت مواقف اليسار إلى الخلخلة، لا سيّما بعد الدور الذي أدته دول خليجيّة وحلف الناتو في دعم الثوّار الليبيّين ضد قوات القذافي. لكن ما إنْ بدأت الثورة السوريّة حتى تحوّلتْ هذه الخلخلةُ إلى موقفٍ صلبٍ مناوئٍ للثورات العربيّة عمومًا، وللثورةِ السوريّة على وجه الخصوص، وفق رؤية ترى أن سورية هي البلد الممانع للمشاريع الاستعمارية والداعم للمقاومة في المنطقة.

ويبدو أن الخوف من نتائج الديمقراطية التي تفرزها الثورات، كان هو العامل الأكبر لدعم الحليف المستبد في سورية، فقد دعا رفعت السعيد في مصر إلى الوقوف في وجه الطموح التركي الأميركي بإزاحة بشار ليحكم الإخوان سورية.

الصراع العربي الإسرائيلي

لليسار المصري مواقف متناقضة من زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس المحتلة ومبادرته السلمية للكيان الإسرائيلي، منهم من رأى في انفراد السادات بهذا التحرك خروجاً على الإجماع العربي، وكسراً للموقف العربي، الذي اعتبره بعضهم موقفاً تمليه اعتبارات شعبوية وديماغوجية، وتغلب عليه الشعارات.
بينما رأى البعض الآخر في موقف الرئيس المصري الراحل، رغبة في إنهاء الصراع مع إسرائيل، والتفرغ لبناء القدرات الاقتصادية المصرية المنهكة بعد عقود من المواجهة العسكرية. ورأى ثالث في الزيارة فضحاً لموقف من سموهم بالرجعية العربية المفلسة، والتي لم تتجاوز حدود "لاءات" مظهرية، بموجبها تمنح الحكومات العربية لنفسها شرعية، بادعاء مواجهة إسرائيل.

بعض الرموز اليسارية والشيوعية في مصر حينذاك ذهبت إلى حد تشبيه زيارة الرئيس السادات لإسرائيل، وعملية السلام التي بدأها، بمنحى الصلح الذي اتبعه الزعيم الشيوعي السوفييتي، فلاديمير لينين، تجاه ألمانيا عقب الثورة البلشفية عام 1917 وخروج روسيا من الحرب العالمية الأولى، وتوقيعها اتفاقية بريست - ليتوفسك مع ألمانيا لهذا الغرض.

يذكر أن معظم التيار اليساري المصري في الأربعينيات من القرن العشرين كان مؤيدا لتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين؛ مما يعنى ضمنا تأييد إقامة دولة الاحتلال على جزء من أرض فلسطين، فيما كان اليسار في معظمه مؤيدا لعبدالناصر في موافقته على مبادرة "روجرز" للحل في المنطقة، والتي كانت تضمن أيضا الوجود الإسرائيلي. لكن موقف اليسار اختلف، حين تصدر حزب التجمع في مصر رافضي معاهدة كامب ديفيد.

الموقف من المقاومة الفلسطينية

مؤخرا بعد تمكن الثورة المضادة من مفاصل الدولة، صار الموقف اليساري من القضية الفلسطينية متطابقاً من الواقع الإعلامي الرسمي المستجد الذي استعدى المقاومة الفلسطينية، ومتقاربا مع وجهة النظر الرسمية التي ترى في إسرائيل دولة معتدلة، إذ صدرت تصريحات على لسان رموز يسارية، مثل رفعت السعيد من نوعية: "حماس تستفز إسرائيل"، وواصفاً إسرائيل بالنمر الذي لا يُستفز؛ لأنه مُستفز بطبعه، مؤكداً أن ادعاء حركة حماس بأنها قادرة علي الصمود مجرد نوع من الدعاية الخائبة.

بينما زعم في تصريح تلفزيوني آخر: "حماس تحارب الجيش المصري، ثم تطالبه بالتدخل للدفاع عن فلسطين". كما أصبح "يدندن" على رواية استدراج حماس لمصر في صدام، حين يقول: "إن الهدف من العمليات البرية الإسرائيلية على قطاع غزة، هو استهلاك مخزون حماس من الصواريخ، ثم بقاؤها شوكة في ظهر مصر والقضية الفلسطينية".