جواد مراد: الكاريكاتير فنّ للإنسان

13 ديسمبر 2019
الصورة
من أعمال الفنان (فيسبوك)
+ الخط -
يستلهم رسام الكاريكاتير السوري، جواد مراد، أعمال الراحل ناجي العلي؛ إذ كان يرسم منذ كان طفلاً، وحين شاهد فيلماً يروي قصة الفنان الفلسطيني، تأثّر به كثيراً. بهذا، يسعى مراد إلى أن يعكس هموم الناس ومعاناتهم بطريقة تُقارب أسلوب العلي.

في حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول جواد مراد: "كنت أميل إلى الرسم منذ الطفولة، واكتشفت موهبتي أكثر من طريق المسابقات التي كنت أشارك فيها، والجوائز التي أفوز بها. بعد ذلك، تعلمت فن الكاريكاتير. لم يكن في سورية مدارس للكاريكاتير، كان تعلمي ذاتياً وبمجهود شخصي. وعندما يمتلئ دفتري بالرسوم، كنت أعرضها على الضيوف وآخذ بالنصائح التي كانت تتعلق بالأفكار أكثر من تلك المتعلقة بالتقنيات، إلى أن التحقت بالجامعة ودرست في معهد الفنون الجميلة، وخلال دراستي الجامعية والمعهد تعلمت فن الأنيميشن".

ولا شك في أن لـ"حنظلة"، الشخصية التي ابتدعها ناجي العلي، بالغ التأثير في تجربة مراد، يقول: "تعلمت فن الكاريكاتير عندما شاهدت فيلماً عن حياة الرسام الفلسطيني ناجي العلي، وشُغفت بهذا الفن. أذكر أني كنت في الصف الثامن. عندها رسمت أول كاريكاتير وما زلت أحتفظ به".
يختلف مراد مع النظرة السائدة حول تكنيك الفنان ناجي العلي في طريقته بالرسم على أنه افتقر إلى التقنية، "لأنه بأبسط التقنيات أوصل أهم الأفكار إلى المتلقي. مثلاً، من طريق ورقة بيضاء وقلم أسود، عبّر عن أهم الأفكار وحقق نجاحاً لم يحققه الكثير من الرسامين، على الرغم من امتلاكهم لهذه الوسائل والتقنيات".

يعبّر الفنان مراد عمّا يشغله من تفكير وجانب عملي بالقول: "أعمل على قضايا استراتيجية وأخرى آنية؛ القضية الاستراتيجية هي الإنسان بكل التفاصيل المتعلقة به. من حق الإنسان أن يعيش بكرامة، أن يعيش حراً، أن يعبّر عن ذاته بحرية، أن يتنقل بحرية. أما القضية التي أتناولها الآن، فهي التطرف؛ إذ بدأ هذا الأخير يطفو على السطح بشكل بشع مع تنظيم القاعدة، وبعدها مع الجهاديين الذين اجتمعوا في جميع أنحاء العراق، ثم في سورية. أسعى إلى رصد تأثير هذا الفكر بالناس. حالياً أعمل على هذه القضية، إضافة إلى قضايا أخرى، مثل قضية المرأة والفقر وإعادة توزيع الثروات بين الناس".

في معرض حديثه عمّا وصفهم بالقامات السورية في فن رسم الكاريكاتير الذين تأثر بهم، يشير مراد إلى الفنانين موفق قات وعلي فرزات وصديقه ياسر أحمد، موضّحاً أنهم أصحاب تجارب مهمّة يجب التعلّم منها. يضيف: "الكاريكاتير السوري بالمجمل لديه أبرز رسامي الكاريكاتير في المنطقة العربية، وحتى على المستوى العالمي. وبصراحة، أنا لا أرقى إلى أن أقيّم أعمال فنانين كبار".

يرى مراد في فن رسم "الإنيميشن" الذي اتخذه اختصاصاً، أنه باب للحرية، مشيراً: "لم أنتقل إلى الأنيميشن، بل أعمل عليه إلى جانب فن الكاريكاتير، أعمل فيه ولدي تجارب إخراجية متواضعة في هذا المجال. طبعاً، السبب الرئيسي في انتقالي إلى الأنيميشن مادي بحت، فالمردود المادي لهذا الفن أكبر، ومجال العمل فيه أوسع من الكاريكاتير، وعدم اعتمادي على الكاريكاتير كمردود مادي، أعطاني مساحة من الحرية لأرسم الذي أريده من دون القلق من انقطاع مصدر رزقي، ولا شك في أن المجالين يؤثران ويتأثران ببعضهما".

غادر جواد مدينة المالكية، الواقعة في ريف الحسكة إلى كردستان العراق. في هذا السياق، يقول: "بالطبع، ليس هناك فنان يستطيع أن يتجاهل الحروب التي نعيشها، ليس فقط في سورية، بل في محيطنا كذلك، فنرى ما يحصل في العراق وفلسطين؛ هذا الأذى لضمير الإنسان لا يستطيع الفنان أن يتجاهله، ومن حق أي إنسان أن يتخذ مواقف من هذه القضايا، ولكن نتاج الفنان وتقييم موقفه ينقسم إلى قسمين: الأول يتعلق بالجانب التقني، والأدوات التي يستعملها الفنان، ومدى جماليتها، وقدرته على أن يوصلها بصرياً للناس بجمالية محددة، أما الثاني، فهو الجانب الإنساني، فليس من المعقول أن أحترم فناناً يؤيد قتل إنسان لأخيه الإنسان. عندما غادرت سورية، ترسخ الجانب الإنساني أكثر في داخلي، وشعرت كم هذه الحدود هي وهمية، وبنتيجتها طرأت الانتماءات الضيقة والكراهية".


انتقد جواد مراد التفكك الحاصل بين فناني الكاريكاتير في سورية، وعدم وجود جهة منظمة لهم، واصفاً هذا التفكك بـ"المرض"، مضيفاً: "عدم وجود جهة حقيقية راعية تجمع الفنانين السوريين وترعى مشاريعهم، ينتج قلة فرص عمل، ما يخلق بالتالي حالة صراع بينهم، والدعم في هذا المجال مثل مطر الصحراء، حيث تجد جهة معينة تمول مشروعاً ما، يسيطر عليه أشخاص معينون، ويتم تقاسمه ككعكة، وبالتالي لا يكون هناك استمرارية لهذا العمل. استمرارية أي مشروع فني يخلق ذوقاً عاماً، والذوق العام يفرز الجيد من السيئ. أكبر مثال على ذلك المجال الدرامي، فالدراما السورية مثلاً، كانت جريئة وواعية، تَعلّم وتُثقف وتوحد الناس، لم نرَ هذا الشيء ينطبق على بقية الفنون لأنها لم تتشكل بعد".
يرى جواد كذلك أن الرمزية التي حملتها لوحات الدراما التي قدمتها مسلسلات "بقعة ضوء" و"مرايا" على سبيل المثال، "ساعدت المتلقي السوري على فهم رمزية الرسومات التي نقدمها في الكاريكاتير، فبذلك قدمت الدراما جانباً توعوياً مهمّاً، في حركة الفن بشكل عام".

يختم الفنان مراد حديثه بالقول: "نحن محكومون بالأمل، وما يحدث ليس نهاية التاريخ، التاريخ فيه تقلبات وفيه نكسات كبيرة، وأحياناً هناك أحداث مفرحة، لسوء الحظ، فإن هذه المرحلة التي نعيشها، مرحلة تصاعد شعبوي يشهدها العالم عموماً. فدول كبيرة تُحكَم الآن بعقلية العصابات، ودول كان لديها أمل بحياة كريمة، أصبح فيها متطرفون، وبلاد جميلة تراها تُقسَّم وتُحطَّم. ما أريد أن أقوله أعبّر عنه برسوماتي، وفي النهاية لا بد لنا من تجاوز هذه الأزمة وأن يتفهم بعضنا البعض، ونخلق تلك المساحة حيث يستطيع الكل أن يعيش".

المساهمون