جلد الذات والاستشراق العربي

02 مارس 2015
الصورة

عمل لـ(سانتوس بيلغري)

بعد كل حادثة عنف وإجرام، تحصل في بلد أوروبي، وتشير أصابع الاتهام فيها إلى مسلمين، ينتعش خطابٌ ليبرالي عربي، يهوى ذم الذات وجلدها، عبر ترديد المقولات الاستشراقية، ومخاطبة أبناء جلدته من العرب والمسلمين، وفق المنطق الاستشراقي. هناك صور متخيلة للشرق والغرب، كما يوضح إدوارد سعيد في كتابه الشهير عن الاستشراق، وهي نتاج أفكار مسبقة، تظهر في الأدب والشعر، وفي الكتابات الفكرية والسياسية التي تتعاطى مع الشرق، وتظهره في صورة النقيض للغرب، إذ إن هذا الشرق متخلف وهمجي وعاطفي، ما يعني أن الغرب عقلاني ومتحضر، وصورة الشرق المتخيلة، بهذه الطريقة، تغذي صورة الغرب المتخيلة أيضاً، ويُبنى عليها خطابٌ يتعامل بدونية مع هذا الشرق "المتخلف"، وهو الخطاب الذي يواصل "المستشرقون العرب" تبنيه، وترديد مفرداته.

ينطلق المستشرقون العرب من التسليم بالهزيمة الحضارية النهائية أمام الغرب. وعليه، يسعون جاهدين إلى طرح الذوبان في ذلك الغرب وثقافته، باعتباره حلاً للأزمة "الحضارية" التي يمر بها العرب والمسلمون، ويقومون بلوم الثقافة والتراث العربي والإسلامي في كل حادثة ومشكلة، من دون أدنى اعتبار لمسؤولية السياسات الغربية عن هذه المشكلات، بل إنهم يكرهون أي حديث عن دور هذه السياسات الغربية، ويرونها خطاباً خشبياً، يؤدي إلى مزيد من التخلف الحضاري، فكراهية السياسات الغربية تقود إلى كراهية الثقافة الغربية، وتالياً، إلى البقاء في دائرة الجمود والفشل، وبعضهم مصاب بالحنين إلى الاستعمار، إذ يرى فيه منقذاً ومخلصاً، كما هو الحال في احتلال العراق، والتدخلات الغربية الأخرى في العالم العربي.

صورة الغرب المتخيلة، في خطاب المستشرقين العرب، والتي تظهره عقلانياً وعلمانياً بشكل دائم، غير دقيقة. الدين حاضر في الخطاب السياسي الغربي، وتحديداً في الولايات المتحدة، إذ تعتبر البروتستانتية مكوناً أساسياً من مكونات الهوية الأميركية، كما أن الغرب لا يحتكم للعقل، بالشكل الذي يصوره المستشرقون العرب، فهو خاضع للانفعالات والمزاجية في أحيان كثيرة، ونذكر كيف أن جورج بوش وتوني بلير، قاما بغزو العراق، بعد تلقيهما إشارات من الله للقيام بهذا الغزو.

في تحليل حوادث العنف، والتنظيمات الجهادية، لا يشك المستشرقون العرب في أن ثقافة المسلمين وتراثهم وراء هذا العنف، وهي المسؤولة عن "الإرهاب" في العالم، وكأنما لا يوجد عنف يُمارس في العالم، تحت عناوين أيديولوجية دينية وغير دينية، لا علاقة لها بالإسلام أو السلفية (وباسم هذه الأيدولوجيات تقع حوادث عديدة، وليست نادرة كما يصورون). ولا يقبل المستشرقون العرب الحديث عن دور السياسات الغربية، ويعتبرونها جزءاً من الهوس المؤامراتي، وبعضهم يسخر من الحديث عن دور الغرب في تعزيز ظاهرة العنف و"الإرهاب"، وعن دوره السلبي في العالم العربي، بالقول إن الغرب ليس متفرغاً للتآمر على العرب، فهو مشغول بالبحوث العلمية واكتشاف الفضاء. هؤلاء لا ينقصهم فقط قراءة تاريخ الاستعمار، وكيف أفادت الحداثة الغربية من النهب الاستعماري للبلدان الأخرى، بل ينقصهم أيضاً التبصر في حقبة ما بعد الاستعمار التي استمرت فيها الهيمنة بأشكال مختلفة، منها شن الحروب، والاحتلال المباشر كما في العراق.

لم ينشغل الساسة الغربيون باقتحام الفضاء عن دعم إسرائيل، بوصفها قاعدة استعمارية غربية في قلب العالم العربي، ولم يتركوا بسبب انشغالهم التدخلات العسكرية والسياسية في منطقتنا، ولم يتخلوا عن مساندة الأنظمة الاستبدادية الرجعية في الوطن العربي، والتي تضع العوائق أمام نهوض بلداننا العربية. لكن، كل ما تفعله القوى الغربية في منطقتنا جزء من الخيال المؤامراتي الذي يتصف به "العقل العربي"، بحسب المستشرقين العرب، والحديث عن مؤامرات غربية، يوجب تندرهم، لكن بعضهم لا يجد مانعاً من الحديث عن مؤامرات إيران والإخوان المسلمين، فالغرب وحده من لا يتآمر، بسبب انشغاله بغزو المريخ.

يحيل المستشرقون العرب أسباب انبعاث الجماعات الجهادية إلى إشكال ثقافي وديني، رغبة في إدانة الثقافة الإسلامية، ويصرون على تجاهل السياق الذي تحصل من خلاله أعمال العنف، ويعتبرون محاولة فهمه تبريراً للعنف الجهادي، ولا ينتبهون (أو لا يريدون الانتباه) إلى تشكل هذه الجماعات ضمن ظروف سياسية واقتصادية معاصرة، يلعب فيها معشوقهم الغربي دوراً كبيراً، ليس فقط من خلال حجم الإجرام والعنف الذي يمارسه في منطقتنا والعالم، والذي لا يلقى أي إدانة من المستشرقين العرب، أو حديثاً عن الثقافة المنتجة له من الذين يحبون التفسير الثقافي لظواهر العنف السياسي، بل، أيضاً، من خلال الدعم الأميركي والغربي المباشر للظاهرة الجهادية في أفغانستان، لمواجهة الشيوعية آنذاك، والتي أطلقت المارد الجهادي من قمقمه، وقد كان الجهاديون، وقتها، مقاتلي الحرية، بنظر الإعلام الأميركي "المتحضر".

نقد الذات بغرض الإصلاح والتصحيح مطلوب، لكن تحقير الذات بخطاب استشراقي، وترديد الدعاية الأميركية، واختزال كل المشكلة في ثقافتنا وتراثنا، وتبرئة المستعمر، والسعي إلى إعادة صياغة خطابنا الثقافي والديني والسياسي، بما يُلائم الأهواء والمصالح الغربية، ويحقق رضا الغرب عنا، كلها أمور تنم عن عُقد نقص، وانهزام كامل أمام الآخرين، وهذا لا يصنع تطويراً أو نهوضاً معرفياً، وإنما حالة من التبعية، ترغب في استنساخ ثقافة الغالبين، فتُنتج مسخاً ثقافياً.

تعليق: