ثورة وانزاحت...

09 ابريل 2014
الصورة

محمد حسان يخطب في أنصار حزب النور 2011 (Getty)

+ الخط -

تأتي حفاوة حزب النور السلفي في مصر بترشيح عبد الفتاح السيسي للرئاسة، في سياق متوقع، لمن له دراية بطريقة عمل الدّماغ السلفي التقليدي، والتي تضمر رغبة غريزية في العودة إلى حدود ما قبل 25 يناير/كانون الثاني.

وصلات الغزل السلفية في الرجل لا تنتهي، فياسر برهامي يراه متديناً وذكياً، ولديه القدرة والكفاءة على إدارة الدولة في الفترة المقبلة، والملايين من المصريين يثقون في قدرته على الخروج من الأزمات، التي تعاني منها الدولة طوال السنوات الماضية. ويصفه نادر بكار بالمرشح (المدني!) الوطني، وأن خطابه كان متوازناً ومصارحاً الجماهير بطبيعة التحديات المنتظرة والمقبلة.

سلفية "برهامي وشركاه" تمارس دورها التاريخي في شرعنة العبودية والخنوع، وسوق الجماهير المُسْتَغْفَلة نحو الخضوع للحاكم، "ولو جلد ظهرك وسلب مالك"، وهو دورٌ يروق كثيراً لمن بيده مقاليد الأمر، أيّاً كان معتقده، وأياً كان عصره ومصره.
ودائماً ما يبذل وعّاظ السلطة الرسميون، والأهليون، جهوداً مضنيةً لتأصيل الاستبداد، وإفشال أية محاولة لتقويضه، فالثورات من عمل الشيطان، والديمقراطية كفر بواح، وتداول السلطة بدعةٌ، ما أنزل الله بها من سلطان!

العلماء الرسميون يتحدثون بما يُمْلَى عليهم، وليس من حق أحد منهم أن يخالف رأي السلطة، وإلا "سيُصْفَع على وَجْهِهِ، بكلّ مَا تحتَويهِ الكلمةُ مِن مَعْنى"، (وفقاً لتعبير اللواء محافظ بورسعيد، موجهاً كلامه للخطباء والوعاظ. وقد ردّ أحدهم عليه مُباركاً ومُصدقاً: توكلنا على الله"). أما العلماء الأهليون، ومنهم السلفيون، فقد وقفوا حائط صدّ أمام أية تحركات، ولو متواضعة، لمقاومة المستبد، والعبارة الشهيرة المسجلة للشيخ محمد حسان "الدعاة وأمن الدولة في خندق واحد" دليل على التماهي بين عملاء "أمن الدولة" وعلمائه في عصر حسني مبارك.

كان الموقف حاسماً جداً في نبذ العمل السياسي، ونقد من يسعى إلى المشاركة في السلطة، وجاءت انتخابات 2010 ليقف السلفيون مع النظام في معركته للاستئثار بالسلطة، وحده لا شريك له، بدعوى أن العملية الانتخابية الديمقراطية شركٌ بالله؛ فهي تعني حاكمية الشعب، لا حاكمية الرب، وأن الشورى ليست بالانتخاب، بل صوابها أن تكون بين "أهل الحل والعقد". والشرع يقضي بأن يكون الحكم عقداً مبرماً مدى الحياة! وأن تكوين الأحزاب رجسٌ من عمل الشيطان. (تراجع في ذلك دروس عبد المنعم الشحات، قبيل انتخابات 2010)
وعندما كان نظام مبارك يلفظ أنفاسه الأخيرة، استنجد ببعض مشايخ السلفية لمحاولة إنعاشه، ومنهم محمود المصري الذي استدعاه التلفزيون الرسمي (في سابقة أن يحظى بشرف الظهور على شاشته)، ليحذر الشباب من النزول للتظاهرات، وإن اضطروا إلى ذلك، عليهم ألا ينشغلوا بالهتافات المسيئة، بل شغل وقتهم في ميدان التحرير بالذكر والتسبيح والتهليل! (تُراجع فتوى صوتية مسجلة لياسر برهامي، يحرم فيها الخروج إلى تظاهرات 25 يناير/كانون الثاني، وينقل إجماع علماء السلفية على ذلك).

وإذا كان النشاط السياسي السلفي ما هو إلا عملية "تكيّف" مع الواقع، فالأمر لا علاقة له بالمبادئ الشرعية، أو النصوص القطعية، فالتراث المتورّم بالآراء والتأويلات يفتح الباب على مصراعيه، لتغيير المواقف، من دون أن يشعر المريدون بالتناقض.
ولما كانت الأحداث أسرع مما تخيل هؤلاء، وانتصرت ثورة يناير/كانون الثاني، مؤقتاً، واحتفى بها الشعب؛ فقد هرول المشايخ، أنفسهم، إلى ما كانوا ينتقدونه في الأمس القريب، فالأحزاب التي كانت حراماً صارت حلالاً، والديمقراط،ية التي كانت كفراً صارت إيماناً، كما نصّ حزب النور، لصاحبيه برهامي والشحات، في برنامجه السياسي "المنشور"، على أن "من الضروري احترام إرادة الشعب في اختيار هيئات السلطة الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية"، بل صار عبد المنعم الشحات نفسه مرشحاً في منافسة شرسة في دائرته الانتخابية! في حين التحق بالبرلمان على قوائمهم من كان "سائق ميكروباص"، في تطبيقٍ عمليٍّ لكيفية اختيار "أهل الحل والعقد"، المنوط بهم قيادة الأمة (أنور البلكيمي نموذجاً).
الانحراف عن المبادئ، التي كانت تبدو صارمة، وكأنها شرعية، مرّ بسلاسة ويسر، فلم يكلّف الأمرُ أكثرَ من عبارةٍ وجيزةٍ، على لسان منظّري التيار، تقول: تغيير المواقف يتعلق بتقدير المصالح والمفاسد. ولمّا أتيحت الفرصة لإبداء الرأي والرأي الآخر، كانت لهؤلاء الرجال صولات وجولات، في مواجهة الحاكم المدني المنتخب. وتناسى السلفيون أدبياتهم القديمة التي تنص على الاكتفاء بـ "مناصحة الحاكم والدعاء له"، وتبين أن تلك الحال من المهادنة منوطةٌ، فحسب، بذلك الحاكم الذي يجلد الظهر ويسلب المال.

ومع اقتراب سقوط "حلم الديمقراطية"، لوحظ أن التيار السلفي كان يتأهب للعودة إلى قواعده القديمة سالماً، فما إن رأى "العين الحمراء"، حتى استسلم سريعاً لهدم رحلته القصيرة مع الديمقراطية، متوجاً ذلك بالمشاركة في إعلان 3 يوليو/تموز خلف وزير الدفاع، بجوار الإخوة الأعداء، وفقاً لأدبيات السلفيين المعلنة، (تواضروس والطيب والبرادعي)، ثم رضوخه التام للعبث في خريطة الطريق، متسقاً مع ماضيه الفكري، المستسلم لشريعة الأقوى.

وشيئاً فشيئاً، بدأت تعود فتاوى التكيّف مع الوضع القائم، أَو التكيف به، فقد شرعن برهامي موقف حزبه من الأحداث أن الصحابة والتابعين رضخوا للانقلاب العسكري، إقراراً بالواقع! وجاءت الفتوى أنَّ للمتغلب بالشوكة حق السمع والطاعة، لتمثل فتحاً جديداً في عالم السياسة الشرعية، ومبدأً معتبراً في المرحلة المقبلة! وأخيراً وليس آخراً: الترحيب بسيادة المشير، ذلك المتدين الوطني الغيور مرشحاً رئاسياً.

كل شيء عاد إلى أصله، وآب السلفيون إلى طبيعتهم، سالمين غانمين، فقد كانت ثورة يناير/كانون الثاني "غمة وانزاحت".