السلطة والنصّ.. الاختلاق والتأويل

22 فبراير 2015
الصورة

عمل بصري لـِ(ديردسن فرايمن)

+ الخط -
ما الذي يدعو للعجب، حين تُرى جموع من المشايخ والكتاب يهرولون نحو بلاطات السلاطين والحكام، يبررون أفعالهم الحسنة والسيئة، ويؤرخون أمجادهم الرفيعة والوضيعة؟

في موروثنا العربي، ومنذ وقت مبكر، استثمرت عمليات التأريخ، واستغل إقبال الناس على المرويات لخدمة السلطة، فتسرب إلى حركة الرواية والتدوين عددٌ غير قليل من المفسدين؛ كان منهم من افتضح أمره، وانكشف ستره، وكان عبرةً لمن يعتبر. يمكن جدا قبول ذلك "نظرياً"؛ بناء على أن كتابة التاريخ عملٌ عظيمٌ، يحتاج إلى اسم وجهد كبيرين، ومن ثم، كان غالباً في حاجة ماسّة لرعاية كبرى تتناسب وما سيبذل له من وقت، وما ينفق فيه من جهد. وفي تلك العصور السالفة، لم تكن المؤسسات المستقلة التي تعنى بهذه الأعمال قد وجدت بعد.

وقد يجد السلطان، وعادةً ما يجد، ميلاً إلى ذلك، فهو يرغب في تلميع صورته أمام الشعب الذي يحكمه، وتخليد ذكراه عند الأجيال المقبلة. لذا، يندفع إلى استقطاب الموهوبين، ويستقطعهم لهذا العمل.

يروي الخطيب البغدادي أن محمد بن إسحق ألف تاريخه المطول، ثم اختصره إلى السيرة؛ بناء على رغبة الخليفة العباسي المنصور في صنع كتاب من أجل بعض ولده. وأيّاً ما كانت صحة هذه الرواية؛ آل الأمر إلى أن ينصرف الولاة وأبناؤهم بالفعل إلى كتاب ابن إسحق؛ حتى قيل إنه "لو لم يكن لابن إسحق من الفضل إلا أنه صرف الملوكَ عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلى الاشتغال بمغازي رسول الله (ص)، ومبعثه ومبتدأ الخلق؛ لكانت هذه فضيلة سبق بها ابنُ إسحق".

كما أن محمد بن عمر الواقدي، صاحب المغازي، لم تكن له علاقة بالسلطان أكثر من أن الرشيد كان قد ولّاه القضاء في شرقي بغداد، ثم ولّاه المأمون القضاء في عسكر المهدي، وظل تحت رعاية العباسيين حتى مات! على الرغم من معرفة الجميع (باستثناء السلطة السياسية طبعاً!) أن الواقدي كان يكذب، ويختلق الأحاديث.

وكان للاقتراب من السلطان لدى رواة كثيرين مفسدين، والرغبة في كسب مودة الأمراء، ونيل رضاهم؛ سبيلٌ معروفة؛ هي: تأليف الأخبار التي تمجدهم وأسلافهم، بل منها ما كان يذود عنهم اتهامات معارضيهم؛ ويضع سياجاً سلبياً يضبط كيفية التعامل مع أخطاء الولاة وتجاوزاتهم، مثل وضعهم حديث "من أراد أن ينصح السلطان، فلا يبدأه علانية. ولكن، يأخذ بثوبه وليخل به؛ فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الحق الذي عليه".

ولا تغفل كتب الضعفاء والوضاعين أن تشير إلى أن من الرواة من قصد بذلك التقرب إلى السلطان، بنصرة غرض كان له؛ مثل غياث بن إبراهيم، فإنه حين أدخل على المهدي، وكان المهدي يحب الحمام، إذا قدامه حمام، فقيل له حدث أمير المؤمنين، فقال حدثنا فلان عن فلان أن النبي قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح". فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: اشهد علي. فقال إنه فتى كذاب على رسول الله، قال المهدي: أنا حملته على ذلك. ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه.

ولذا، كان التقاء الراوي بالسلطان ومصاحبته مدعاة لأن يترك نقاد الآثار روايته، فيقول بعضهم: "دخلت الكوفة، فرأيت الكلبيّ يعمل عمل السلطان". وتحدث أحمد بن حنبل في عكرمة مولى ابن عباس؛ فكان مما قال: "كان يأتي الأمراء يطلب جوائزهم". ويُروى عن يحيى بن معين قوله في يونس بن بكير، ذاماً له: "كان يتبع السلطان". والأمثلة على ذلك كثيرة.

والتهمة قائمة على كل من يدخل على السلطان، حتى لو لم يعرف عنه الكذب، فالشبهة تثير النقاش حول الراوي، ومدى الوثوق به، فليس كل دخول للرَّاوي على السلطان مُمَالأةً له، وتأييداً لمسيرته الفاسدة. على اعتبار أن معظم السلاطين من الفاسدين المفسدين؛ إلا النزر اليسير. وقد قيل لعبد الله بن المبارك: "تأخذ، أي الحديث، عن شبيب بن شيبة، وهو يدخل على الأمراء؟ قال: خذوا عنه؛ فإنه أشرف من أن يكذب". وفي هذا القول إشارة إلى تلقائية ربط الكذب بمن يدخل بلاط السلطان، وأن شبيباً هذا يعدُّ استثناءً من وجهة نظر ابن المبارك الخاصة.

كما رأينا دوراً كبيراً لأنصار الانشطار السياسي، زمان الفتنة، في وضع أخبار كثيرة لترويج أفكار الفرق المتنازعة، فتحولت الحالة السياسية البشرية إلى حالة دينية مذهبية مقدسة. حتى وصل الأمر إلى مستنقعات هزلية من الكذب، خصوصاً في فضائل الفرقاء من الصحابة؛ فإذا روى أنصار الإمام علي حديثاً يقول: "علي خير البشر، من أبى فقد كفر"، روى أنصار معاوية حديث: "الأمناء ثلاثة: أنا، وجبريل، ومعاوية"! بل إن الراوي المؤرخ الكذاب لا يتورع أن ينسب إلى رسول الله (ص) ما يخدم مصلحة دعوته الحزبية ومذهبه السياسي، مثل حديث: "تذاكروا الأمراء عند رسول الله (ص) فتكلم عليٌّ، فقال رسول الله (ص): "إنها ليست لك، ولا لأحد من ولدك"! وفي هذا النصّ يظهر وعي الراوي المُلفّق ببعض مبادئ الفكر السياسي التي بدأ ترويجها بعد الفتنة، ومعارضته لها.

ولما كانت الدولة بعد عصر الراشدين دولة خلافة، تستند إلى شريعة الإسلام، ولو صورياً؛ فقد اعتمدت على اختراع النصوص المقدسة لتأييد سلطانها، والتأكيد على امتداد بقائها إلى يوم الساعة، كما فعل مع الدولة العباسية بصورة فجة، وراجع، إن شئت، كتب "الموضوعات"، وسوف تختلط دموع الحزن لهذا الاستهتار بالوحي السماوي بدموع الضحك من فُحْشِ سذاجتها ومباشرتها، إذ كانت الأحاديث تلفق على النمط الآتي: "الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها إلى المسيح". أو حديث "يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع الزمان وظهور الفتن يقال له السفاح". وحديث: "يا عباس، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك، منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي".

وهي نصوصٌ، على الرغم من غبائها، وجدت جمهوراً ساذجاً، أو مستكيناً سمح لها بالرواج، وسلطة متواطئة وفرت لها الدعم والرعاية.

هذا كله في باب "اختلاق" النصوص، أما تأويل النصوص لخدمة السلطة فحدث ولا حرج، وإنا لله وإنا إليه راجعون.