ترويض المؤسسة الدينية

26 مايو 2014
الصورة

المفتيان الحالي والسابق، شوقي عبد الكريم وعلي جمعة(مارس2013 أ.ف.ب)

+ الخط -
من طرائف دار الإفتاء المصرية أن يؤكد المتحدث الرسمي لها أن إقبال المصريين في الخارج على التصويت في الانتخابات الرئاسية أبلغ رد على الأقاويل المغرضة التي "حرّمت" المشاركة في الانتخابات. وبغض النظر عن الإقبال الجماهيري من عدمه؛ تُرى.. ما علاقته بمسألة الحلال والحرام؟ هل الإقبال الجماهيري العربي منقطع النظير، مثلاً، على "المواقع الإباحية" دليل على مشروعيتها، وأنها من أعمال البرّ والتقوى؟

لا تنتبه النظم السلطوية إلى أنها، بعملية ترويض المؤسسة الدينية في "سيرك" السياسة، تجعل من الدعاة والوعاظ ورجال الدين "بهلوانات"، سرعان ما يتحولون إلى مادة خصبة للتندر والسخرية، بعد مرحلة الرفض والاستهجان. وقديماً كان التقرب من السلاطين وصمة عار تلحق العلماء، بينما ارتبطت مهنة "الإفتاء" بالنظم السياسية للدول بصورة من الصعب إنكارها، فـ"المفتي" يُكلّف بوظيفته بقرارٍ من أكبر رأس في السلطة، وهو رأسٌ غير مؤهل أصلاً للتمييز في كفاءة الفقيه وقدرته على مهام المنصب، لكنه مؤهل تماماً لوضع الخطط اللازمة لحماية زعامته وهيمنته.
في الأزمة الأوكرانية، رأينا مفتي روسيا، صفا طلعت تاج الدين، ذا التعليم الأزهري، يتقمص دور مسؤول في وزارة الخارجية، وهو يسرد مبررات موسكو في صراعها مع أوكرانيا؛ وقال "الأوكرانيون جزء من العالم السلافي، من المسيحيين الأرثوذكس، الذين يوجد منهم 120 مليونا في روسيا"، وشرح أن روسيا تتحمل مسؤولية ثلاثية تجاه أهل القرم، بحكم الإيمان والقرب والقرابة. وسمح لنفسه أن يتحدث باسم أكثر من 20 مليون مسلم روسي، فصرح أنهم يؤيدون عودة القرم إلى قبضة روسيا. حيث لم يُسَجَّل له سوى تصريحه العسكري: "القرم عادت إلينا ولن يستطيع أحد أن يأخذها منا"، وتجاهل موقف مسلمي القرم، المستريب من العودة تحت قبضة موسكو ذات التاريخ الدموي مع الأقليات المسلمة، ومنهم تتار القرم أنفسهم، ومتغافلاً عن جهودهم لتحقيق حكم ذاتي.
وكان تاج الدين صاحب رؤية سياسية متفانية في حل أزمات موسكو، يومَ أطلقَ صيحة تحذير وطنية ضد الزحف الصيني التدريجي نحو منطقة سيبيريا، ذات الكثافة السكانية الضعيفة، لاستغلال ثرواتها الطبيعية. وتردد أنه قدم حلاً عبقريا لا علاقة له بالشريعة والفقه والفتوى، بقدر ما له علاقة باستغلال مكانته الدينية للعبث بمصائر البسطاء من الأقلية المسلمة الروسية؛ إذ اقترحَ أن يَهْجُرَ مسلمو روسيا وطنهم، ويرحلون إلى منطقة سيبيريا غير المأهولة، للتصدي للزحف الصيني الغاشم!

وفي عربستان؛ تجتهد مؤسسات الإفتاء في احتكار "الشغلانة"، من أجل توجيهها بما يتوافق والهوى السياسي للنظام، حيث يتوقف الجميع عن التفكير والنظر، حتى يترك المجال لـ "الموظف" المختص، فمفتي السعودية، مثلاً، يحرّم التظاهرات. ويفتي بأن نقد ولاة الأمر علناً لا يصدر إلا من مريضٍ فاسد الأخلاق والعقيدة. كما أنه لا يزال مشغولاً بالتأكيد على أن بيعة يزيد بن معاوية كانت شرعية، ومن خرج عليه كان آثما. لكن أظرف بيان له هو ما يدل على مدى استقلالية الفتوى عن السلطة، وهو الذي يحرّم التعاطف مع الجماعات التي "حددتها وزارة الداخلية"!

ولا يختلف النموذج المصري عن سابقيه، فهو يسعى، أيضاً، إلى احتكار الوعظ والفتوى داخل المؤسسة الدينية الرسمية التي دشّنها النظام، بصورةٍ لا تنال من مصالحه، فوزير الأوقاف، مختار جمعة، يصدر أوامره بإقصاء كل الخطباء والوعّاظ والدعاة غير المعينين في الدولة، فلم يعد يُسمح لهم باعتلاء المنابر، بمن فيهم دعاة طائفة "البراهمة" السلفية الموالين للاستبداد. وطالبَ الوزيرُ الحكومةَ منحَ وعاظ الحكومة حقَّ الضبطيةِ القضائية لمن يخالف النظام، ويتجرأ على الدعوة إلى الله بما لا يوافق الفكر الديني المعتمد "بختم النسر".

وفي الوقت الذي يتحدث مفتي الجمهورية الحالي، الدكتور شوقي علام، عن ضبط أكثر من مائة وخمسين فتوى في الأشهر القليلة الماضية تدعو للعنف والتشدد والتكفير، نراه يتجاهل الفتاوى المزلزلة التي كانت سنداً ومدداً لمذابح حدثت لمعارضي 30 يونيو/ حزيران في أكثر من مناسبة. وفي مقدمتها إبداعات الدكتور علي جمعة، المفتي السابق، صاحب الفتوى الشهيرة؛ موجهاً كلامه لرجال الشرطة الأبرار: "اضرب في المليان". في دعوة صريحة لسحق المعتصمين، بحجة أن "رائحتهم نتنة" وأنهم "خوارج".

أما التصريح الجديد للمفتي السابق أن "دار الإفتاء المصرية، منذ إنشائها، لم تحابِ يومًا النظام الحاكم على حساب الدين والشرع"، فيأتي في سياق المثل العربي: "يكاد المريب يقول خذوني"، والذي يترجم في العامية المصرية بـ: " اللي على راسه بطحة ..."!