ثاني السويدي: إنما أقلّد أمّي

13 يوليو 2020
الصورة

ثاني السويدي .. عوالم جرئية في روايته "الديزل"

رحل عن دنيانا، قبل أيام في القاهرة، الشاعر الإماراتي ثاني السويدي، وهو في الـ54 من عمره. لم يترك في حياته من الكتب المطبوعة سوى ديواني شعر، صدر أولهما "ليجفّ ريق البحر" في 1990، وثانيهما "الشياء تمرّ" بعد عشر سنوات. وبينهما أصدر روايته الوحيدة "الديزل" في 1994، وكانت بمثابة قنطرة عبور لإبداعه إلى عدّة لغات.
قضى ثاني معظم حياته في أبوظبي، حيث شقته الكبيرة الشبيهة بجناح فندقي للوافدين من المثقفين العرب. أتذكّر مرّة زرته، وجدت بالمصادفة معه الكاتب العراقي فاضل العزاوي. وكان المرحوم يطبخ لضيوفه الكبسة بيديه، وحينما يمدح أحدٌ طبيخه يرد: أنا لا أطبخ، ولكني أقلد أمي فقط. ارتبط في حياته، كما في كتابته، بكل جميل وطيب وبريء. وكانت مسقط رأسه، رأس الخيمة، حاضرة في أحاديثه وإبداعه. يقول في إحدى قصائده: "في رأس الخيمة/ يمكنك أن تصطاد سمكة/ وتسد بها جوع شعب بأكمله/ بإمكانك أن تلمع/ كأساور متماسكةٍ في يدي متزوجة جديدة/ بإمكانك أن تختار أمك/ فالشوارع لدينا مليئة بالأمهات".
يعود آخر لقاء لي بثاني إلى نحو ربع قرن، إلا أنه لا يمكنني أن أنسى رحلتنا البرّية الطويلة، من عمّان إلى بغداد، لحضور مهرجان المربد في 1996، وكان العراق حينئذ محاصَرا. ولا أنسى ما رأينا من الويلات التي تسبّب فيها الحصار الجائر العنيف في حياة العراقيين، والمثقفين منهم خصوصا.
ويبدو جليا أن القصيدة عند السويدي تتخلق من البراءة والذكاء الفطري. وهذان عاملان يبدوان وكأنهما قادمان من خارج العملية الإبداعية. ولكن الحقيقة أن الكتابة، وبالذات الشعرية، مرتبطةٌ فنيا بصدق الشعور. يقول في إحدى قصائده: "كان يوما/ رأيت البحر فيه يتجوّل في المدينة/ وعندما قرّر الرجوع إلى الماء/ نسي موجةً على شرفتي/ استحممت بها عاما/ ثم تبخرنا معا".
‏اضطرّت الظروف ثاني السويدي، في سنواته الأخيرة، لأن يعيش متنقلا، جائلا بين أكثر من بلد وفضاء، مستقرّا زمنا في الفيليبين، وبعدها ألقى مراسيه في القاهرة، قبل أن يغادرها نهائيا إلى دار البقاء. واستطاع، في رحلاته الطويلة وتنقلاته تلك، أن يقيم علاقات واسعة مع مختلف أجناس البشر وأعراقهم، ناسجا وشائج أفقية وعمودية في كل مكان يستقرّ فيه ويمكث. وقد لمس فيه كل من زاروه في أماكن إقاماته المتعدّدة هذه الروح الوثّابة، وأسلوب حياة المستكشف غير المنعزل أو المنكمش على عوالمه، بل المنفتح على كل ما من شأنه أن يغذّي روحه القلقة ويطمئنها ويرويها.
أثارت روايته الوحيدة "الديزل" الدهشة، بعوالمها الجريئة التي تذكّرنا بعوالم رواية محمد شكري "الخبز الحافي". وقد صدرت منها ستّ طبعات. وخصّتها قناة الجزيرة ببرنامج خاص بعنوان "السويدي.. كاتب رواية الصدمة". وفي مقابلة معه مع القناة في 2004، قال ثاني السويدي إن "الديزل" صدمت القرّاء بفعل "جرأتها" في تصوير بعض السّلوكات في منطقة الجزيرة العربية. وأوضح إنها عن أثر تنامي تأثير النفط في المجتمعات الصغيرة، الموزّعة بين ثقافتين، والحياة الجديدة التي انعكست في سلوك بوهيمي يوميّ للأفراد.
حظيت الرواية بإقبال لافت، قال عنها ناشرها الأميركي إنها "تمثل إلهاما للعالم المتجدّد وعملية تشريح لماضينا المتعصّب، التقليدي، ومستقبلنا، المحفوف بالمخاطر". ترجمها إلى الإنكليزية المترجم وليم هتشينغ، الذي كان قد ترجم ثلاثية نجيب محفوظ. وكتب إبراهيم الملا عن "الديزل": "يجتاز ثاني السويدي السور العالي للتابو الاجتماعي، مرتحلاً بنصّه وسط حقول الألغام الافتراضية، وكانت كتابته أشبه بالحراثة في السديم".
وفي الشعر، كان ثاني السويدي قناص صور ماهرا، يذكّرنا بشعراء كبار في قصيدة النثر، نتأمل مثلا هذه الصورة الشعرية العجيبة، كأنه يتنبأ فيها بمصيره، ولكن بطريقة غير مألوفة: ماذا فعلتُ بالموت؟/ لا شيء سوى أنني/ كنتُ مسرعا إليه/ فصدمت ملاكا في طريقي..
رحم الله ثاني السويدي، وأحسن إليه، وألهم ذويه وقرّاءه جميل الصبر والسلوان.