تونس والمصالحة بنكهة النظام القديم

24 سبتمبر 2017
الصورة

احتجاج في تونس العاصمة ضد قانون المصالحة (12/9/2017/Getty)

صادق مجلس النواب التونسي، قبل أيام، على قانون المصالحة الإدارية، وهو قانون يعفي كل مسؤولي النظام القديم من كل مساءلة قانونية، على الرغم من أن الفترة التي نص عليها تشمل المدة الواقعة تقريبا من الاستقلال حتى سقوط النظام 2011، أي كل الذين ارتبكوا مخالفاتٍ إدارية ومالية، حتى ولو كانت جسيمة في حق الدولة، بل ذهب القانون إلى إسقاط كل الأحكام التي سبقت، وتمتيعهم بالعفو العام وما ينجر عنه... بعيدا عمّا يثيره القانون من إشكالات قانونية عديدة، قد يكون للقضاء أجوبة عنها، فإن نظر هذه السطور فيه سيكتفي بتحليله، استنادا إلى أبعاده السياسية والأخلاقية. 

عرض هذا القانون خلال السنتنين الفارطتين، أي بعد الانتخابات التشريعية في العام 2014. وتم سحبه، في كل مرة أيضا، طورا تحت ضغط الشارع، وطورا آخر تحت رفض مجلس النواب، وفي مستويات متعددة (لجنة التشريع العام، جلسات عامة ...)، وذلك لعيوبٍ كبيرةٍ شابت نسخه تلك. ولكن علينا ألا ننسى، في ذلك كله، المقاومة الكبيرة التي أبداها نشطاء المجتمع المدني، وأساسا حركة "ما نيش مسامح" التي استطاعت، هذه المرة، أن تكذّب جميع التكهنات، وتعيد للشارع عنفوانه وهديره، وهي في الأصل حركة شبابية من دون لون حزبي معين، على الرغم من أنها خسرت، في الأشهر القليلة الماضية، بعض روافدها من المتعاطفين مع حركة النهضة تحديدا، خصوصا بعد أن دعمت هذه الحركة مشروع القانون، وصوتت كتلتها عليه، من دون اعتبار ما قد يلحقه هذا الموقف من ضررٍ بها، خصوصا بعد تغيب أكثر من ثلث أعضائها عن التصويت، واستقالة وزير العدل الأسبق في حكومة النهضة، أستاذ القانون نذير بن عمو، من كتلتها، احتجاجا على هذا الموقف الداعم لهذه المبادرة، فيما يعتقد هو أن القانون المذكور سيئ السمعة وانتهاك خطير للدستور وللأخلاق.
سبق لرئاسة الجمهورية أن قدمت هذا المشروع، وكان يحتوي على صنفين من المصالحة،
إدارية تتعلق بكبار موظفي الدولة والمسؤولين البارزين (وزراء، مدراء عامون لشركات وطنية، ...)، واقتصادية تتعلق بالعفو عن رجال الأعمال، أي الذين ارتكبوا جرائم اقتصادية خطيرة. ولكن مؤسسة رئاسة الجمهورية اضطرت، تحت الرفض المشار إليه، أن تسحب المشروع، وتعيد مراجعته مراتٍ، لتحذف، في النهاية، الشق المتعلق بالمصالحة الاقتصادية، وتبقي على "المصالحة الإدارية"، خصوصا أن معظم الوزراء السابقين المتورّطين، أو الذين تعلقت بهم شبهات، هم حاليا أعضاء في حزب نداء تونس وما تناسل منه من أحزاب أخرى أو من المتعاطفين معه والمحسوبين عليه. وبهذه المبادرة، يثبت هذا الحزب أنه الوريث الشرعي لحزب بن علي "التجمع الدستوري الديمقراطي" وعهده، وهو في الآن نفسه لم يخذل من اشتغل مع النظام السابق، بل يرد الجميل لهم.
أما توقيت تمرير هذا القانون فهو حاسم، بل أضفى على المبادرة معنى ودلالة، إذ يأتي القانون تقريبا متزامنا مع تحوير (تعديل) وزاري للحكومة، جرى مند أسبوعين، أعاد بعض وزراء بن علي إلى الحكم بمقتضى تعيينهم، علما أنه سبقته أيضا عودة رموز النظام السابق في مواقع أمامية من قيادة حزب نداء تونس خصوصا، وهو الذي كان يتجنبهم في بداية تأسيسه، حتى لا تلتصق به تهمة إعادة رسكلة النظام وتأهيله مجدّدا.
كما يصدر هذا القانون، بعد أن اتهم رئيس الجمهورية حركة النهضة بأنها غير مدنية، وأنه أخطأ التقدير. وكان بذلك قد سلط حرجا وضغطا عنيفا عليها، قبيل تمرير القانون حتى تتنازل، وهي التي وقفت حجر عثرة أمام تمريره سابقا، إبّان نسخته الأصلية الأولى، وتتعزّز هذه الفرضية، حين نعلم أن رئيس الجمهورية ذاته، وفي تصريح آخر أدلى به، بعد صدور القانون في حوار للتلفزة الوطنية التونسية، أثنى على مواقف "النهضة"، وأشاد باعتدالها ووسطيتها. ولا يفصل بين الموقفين، والتناقض الظاهري فيهما، أسبوعان تقريبا، ما يبرهن على أن تصريحات الرئيس الأولى كانت من أشكال الضغط الأخلاقي والسياسي الذي قد يصل إلى حد الابتزاز.
لقد تم تمرير القانون، بعد أن صادق عليه مجلس النواب، لكن ردود الأفعال عليه لم تنته، فقد
شهد الشارع عدة تحركاتٍ، أعادت تعبئة الشباب، كما ندّدت به منظمات وطنية عديدة، منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعمادة المحامين وجمعية القضاة... إلخ. ولكن تظل مبادرة المعارضة البرلمانية، ممثلة في الجبهة الشعبية وأحزاب أخرى ونواب مستقلين، من أهم ردود الأفعال، وهي التي قدمت طعنا في دستوريته أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، ويستند هد الطعن إلى جملة من التقديرات، أهمها أنها تخالف فصول القانون، وتضرب في الصميم مسألة العدالة الانتقالية، والقوانين المنظمة لها، وتنتهك مبدأ المساواة أمام القانون، إلى جانب خروق شكلية أخرى، من أهمها أن مجلس النواب لم يستمع إلى رأي الهيئة الوقتية للقضاء العدلي، حين تجاوزها، فيما هو أمر وجوبي.
سيظل التونسيون، من مساندي هذا القانون أو رافضيه، مشدودين أسبوعا آخر، في انتظار صدور موقف الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، خصوصا أن طيفا مهما من المجتمع المدني عازم على التصدي له، بقطع النظر عن هذا الموقف أو ذاك، انتصارا لروح الثورة، كما يقولون.