تونس .. أسئلة العدالة الصحية

10 مايو 2020
الصورة

ممرضة في مستشفى بتونس مهيأ للمصابين بكورونا (24/4/2020/فرانس برس)

واجهت بلدان العالم وباء كورونا بأشكالٍ متباينة وبمقاربات مختلفة (حماية القطيع، الحجْر الصحي المغلق، الحجر الصحي الموجّه...). ولم تكن تلك المواجهة خاضعةً لمجرّد قرارات سياسية انصبّت على كيفية إدارة الأزمات الطارئة، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب، وتعبئة الموارد وحسن التصرف فيها، بل خضعت كذلك، بقطع النظر عن جدواها ونجاعتها، لما يسمّيها المختصون "سياقات بنيوية". ومن أهم تلك السياقات، الأنظمة الصحية التي تم تشييدها في مجرى تاريخ الدولة الوطنية، أنظمة الحماية والرعاية الاجتماعية، والعدالة بصفة عامة، وتحديداً في معنييها الاجتماعي والاقتصادي.
تشمل الأنظمة الصحية عادة المؤسسات الوطنية الاستشفائية، وما يضبطها من تشريعات، ويتوافر لها من موارد مادية وبشرية، فضلاً عن منزلة الصحة في الخطط والبرامج الحكومية، إضافة إلى التراث الوطني المتراكم المتعلق بالحماية الاجتماعية والمساواة في التمتع بتلك الحقوق والنفاذ إلى مرافق الصحة الأساسية، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو الفئات الاجتماعية. ويبدو أن هذه الأنظمة قد ميزت طرق المكافحة وصنعت الفارق، وحدّدت أركان النجاعة في المقاربات المعتمدة من دولةٍ إلى أخرى.
راهنت دولة الاستقلال في تونس، في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، على بناء الصحة مرفقاً عمومياً، ورصدت لها نسبة مهمةً من ميزانية الدولة، وبنت المستشفيات، وأسست كليات الطب 
والصيدلة، على الرغم من اختلالاتٍ مهمة على مستوى العدالة المجالية (بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية)، غير أن ما بُني خضع لاحقاً لجملة من التحولات الهيكلية التي صاحبت خيارات الدولة منذ أواسط الثمانينيات، إذ تراجعت منزلة الصحة في ميزانية الدولة من نحو 10% إلى 5% في السنوات الأخيرة، ما أثر سلباً بجودة الخدمات الصحية. وأُقصيت شرائح اجتماعية واسعة من التغطية الاجتماعية والصحية التي تقدّر بأربعة ملايين مواطن تُمنَح لهم تراخيص علاج شبه مجاني (تسمى في تونس دفاتر صفراء وبيضاء)، في مستشفياتٍ عموميةٍ تفتقر إلى أطباء الاختصاص عادة، وأغلب المرافق الصحية المتطورة، كذلك لا يمكن المرضى تعويض مصاريف العلاج التي عادة ما يضطرّون إليها، فيبحثون عن علاج خارج هذه المستشفيات أكثر جدوى. وقد تزامن ذلك مع نمو تدريجي لقطاع خاص، كرّس الفوارق بين الفئات الاجتماعية، ووضع مسألة العدالة الصحية أمام اختبار قاسٍ أكثر من أي وقت مضى.
بعد الثورة، جرت دسترة الحق في الرعاية الصحية في دستور 2014، في الفصل 38: الصحة حق لكل إنسان، تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، توفر الإمكانات الضرورية لضمان العلاج وجودة الخدمات الصحية، تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند ولذوي الدخل المحدود، وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون". لكنّ ترهل البنى التحتية في قطاع الصحة، كما ذكر سابقاً، وهجرة الكفاءات من الكادر الطبي، وضعف الموارد المالية المخصصة، وسوء التصرف والحوكمة للموارد المادية والبشرية المتوافرة، وتزايد الطلب على خدمات المرفق العام الصحي، بفعل تدحرج فئات واسعة من الطبقة الوسطى إلى أسفل السلم الاجتماعي، كلها عوامل أدت إلى تراجع الخدمات الصحية كثيراً، حتى أصبح لنا نظام صحي بسرعتين مختلفتين، يفاقم الفرز الاجتماعي، ويعمّق الفوارق بين من يستطيع الحصول على خدماتٍ صحيةٍ جيدة ومن يظل محروماً إياها.
في هذا السياق الهشّ الذي جعل "الصحة مريضة مرضاً شبه مزمن"، نزلت الجائحة لتعرّي الفوارق الكبيرة بين الحق النظري/ القانوني (المجرد) في الصحة وحقيقة التمتع به عملياً، فإلى جانب الهوة المتعمقة بين الفئات الاجتماعية في مواجهة الأمراض والأوبئة والجوائح، وفي القدرة على تخطي الأزمات الناجمة عنها، وعلى الرغم من محدودية الخسائر البشرية، فإن انتشار المختبرات ومدى توافر أقسام الرعاية المركزة والأسرّة الخاصة بالمؤسسات الاستشفائية لمرضى وباء كورونا، فضلاً عن بعض الاختلالات التي رافقت توزيع المساعدات الاجتماعية والحجْر الصحي الذي عاشته بعض الفئات الاجتماعية الفقيرة بمثابة العقوبة والحرمان، في ظل مواردها المحدودة، وكلها عوامل أكدت ضرورة إعادة النظر في ما استقرت عليه الأمور منذ عقود، وكرس تفاقم غياب العدالة الصحية في تونس.
لقد أزال الوباء عن العدالة الصحية كل الأغطية التي كانت تواريه، وذلك على مستويات ثلاثة، 
حيث برز واضحاً استئثار الجهات الساحلية بالبنية التحية المؤهلة لاستقبال مرضى "كوفيد – 19" ومعالجتهم، أطباء الاختصاص، مؤسسات استشفائية مهيأة لذلك، مختبرات تحليل... إلخ. أما التفاوت الآخر، فقد تجلّى كثيراً بين فئات اقتصادية مرفهة استطاعت أن تتكيف مع الحجْر الصحي، وقادرة على قضاء مدته من دون عناء كبير، وهم أجراء الوظيفة العمومية والفئات الميسورة من أصحاب الأعمال وكبار التجار والحرفيين، فيما عانى أكثر من ثلث السكان تقريباً من ضائقة مالية وعسر اجتماعي ونفسي. وأخيراً، تجلى غياب العدالة الصحية أيضاً في شرائح عمرية بعينها، حيث وجد المسنون أنفسهم، لأسباب طبية، أكثر عرضة للمرض... ومع أن التضامن العائلي قد وظف شبكات التضامن مع هؤلاء، على خلاف ما حدث في دول أوروبية ضحّت بهم للأسف، فإن ثمّة إجراءات ما زالت ملحّة لفائدة هؤلاء.
سيبدو مطلب العدالة الصحية أكثر إلحاحاً في السنوات المقبلة، في ظل تفاقم المخاطر الصحية، وشعور الفئات المحرومة بأهمية تقليص التفاوت، من أجل تكريس الحق في الصحة، باعتباره من أركان المواطنة، أي الحق في النفاذ إلى خدمات صحية ذات جدوى وجودة تليق بكرامة مواطنين أحرار.
تعليق: