تلاميذ غزة بلا مصروف جيب

16 سبتمبر 2019
الصورة
محظوظ من بين زملائه الصغار (محمد الحجار)
+ الخط -

مصروف الجيب أو المصروف اليومي هو ما ينتظره الأطفال، لا سيّما في أيّام المدرسة، ليشتروا ما يرغبون فيه من أطايب من المقصف الذي يتزاحم عنده التلاميذ عادة

يومياً، تجتاز ديانا البالغة من العمر ثمانية أعوام، وهي في الصف الثالث الابتدائي، نحو كيلومتر واحد من منزل العائلة الواقع في حيّ النصر في غزة وصولاً إلى مدرستها التابعة لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في مخيّم الشاطئ. وهي تبدو في كثير من الأحيان حزينة لأنّها لا تحصل دائماً على مصروفها اليومي، وبالتالي لم تعد تحبّ المدرسة كما كانت تفعل في الصفَين الأول والثاني الابتدائيين.

وديانا ليست الطفلة الوحيدة في مدرستها التي لا تحصل على مصروف جيب، إذ تقول مدرّسة صفّها مريم حرز لـ"العربي الجديد" إنّ "نصف تلاميذ الصف لا يحصلون على مصروفهم اليومي، بالتالي يفضّلون عدم مغادرة غرفة الصف في خلال الاستراحة حتى لا يروا زملاءهم يشترون الأطايب من مقصف المدرسة ويشعروا بحسرة في داخلهم". يُذكر أنّ ديانا حصلت على آخر مصروف جيب لها قبل شهر، أي قبل انطلاق العام الدراسي الجديد، كذلك الأمر بالنسبة إلى شقيقها سعيد (12 عاماً). وكلّما سألت والدها عن الأمر، كان يخبرها ما لا تستوعبه أعوامها الثمانية، وهو أنّه مضطر إلى سداد ديون كثيرة لمحلّ البقالة في الحيّ بالإضافة إلى سداد دفعات قرض مصرفي.




مريم وحنين وآية وهدية هنّ صديقات ديانا في الصفّ، وهنّ كذلك لا يحصلنَ على مصروف جيب، لذا ينتظرنَ إلى حين عودتهنّ إلى منازلهنّ لتناول الطعام، بالإضافة إلى الوجبة التي يتناولنَها قبل خروجهنّ صباحاً. وتتمنّى ديانا أن يسافر والدها للعمل في الخارج حتى تستطيع كما زميلات أخريات الحصول على مصروف يومي تشتري به سندويشات ورقائق بطاطس وعصيراً.



وتشير حرز في السياق إلى أنّ "حرمان التلاميذ من مصروفهم اليومي يُعَدّ من أبرز المشاكل اليومية بالنسبة إلى هذه الفئة من الأطفال، وهم قد يقابلون الحرمان بالعنف في ما بينهم في الصفّ وبالمشاغبة". تضيف أنّ "الأطفال يرون عدم حصولهم على مصروف الجيب أهمّ من التعليم في المدرسة. وكثيرون يخجلون من الإفصاح بأنّهم لا يحصلون على مصروف يومي، وثمّة آخرون يبدون عدائية تجاه زملائهم الحاصلين عليه". وتؤكد أنّ "مثل هذه المشاكل واجهناها في بداية العام الدراسي، وقد استطعت معالجة بعضها من خلال الحديث في حصّة كاملة عن الأخلاق الحميدة وعن كيفية تقدير ظروف بعضنا البعض".



من جهته، يشعر محمد البالغ من العمر سبعة أعوام، وهو تلميذ في مدرسة الشاطئ الابتدائية المشتركة، بحنق شديد لأنّه لا يحصل على مصروف جيب وبالتالي لا يستطيع شراء ما يحلو له من مقصف المدرسة، لذا يتمنّى أن يغلق ذلك المقصف. هو لا يرغب في رؤية أيّ كان يشتري الأطايب. أمّا فراس البالغ من العمر ثمانية أعوام، وهو في مدرسة محمد نفسها، فيحصل على مصروف جيبه ثلاث مرّات في الأسبوع، فيما يحصل شقيقه سراج البالغ من العمر عشرة أعوام على مصروفه في الأيام الثلاثة الأخرى المتبقية من الأسبوع المدرسي. يُذكر أن والد فراس لا يعمل منذ أكثر من عام، وهو كان يملك دكاناً صغيراً غير أنّه أغلقه بسبب الخسائر فيه.

في السياق، صرّحت مديرة مدرسة غزة الجديدة الإعدادية نهيلة راضي عبر إحدى الإذاعات المحلية قبل أيام بأنّ مشاكل كثيرة تلاحق التلاميذ، خصوصاً الأطفال في المرحلة الابتدائية هذا العام، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الأسر الغزية. وقد لاحظت بحسب ما تقول أنّ أكثر من نصف تلاميذ المدرسة لا يحصلون على مصروف يومي بالمقارنة مع ما كانت عليه الحال في الأعوام الماضية.



أمّا سميرة غنيم، وهي مديرة إحدى المدارس في حيّ الزيتون، شرقي مدينة غزة، فتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "عدداً كبيراً من التلاميذ ومنذ العام الماضي لا يحصلون على مصروفهم اليومي، الأمر الذي تسبب في حالة نفسية بين الأطفال حاولت المرشدة التربوية في المدرسة حلّها. لكنّ الوضع تفاقم هذا العام، ولم يعد نحو نصف التلاميذ يحصلون على مصروف جيب، وهو ما لاحظته كذلك مديرات مدارس أخرى في غزة".



بالنسبة إلى أصحاب مقاصف المدارس، فإنّ بداية العام الدراسي الجديد كانت "سيّئة". وهذا ما يؤكّده علي أبو طلال البواب الذي يدير مقصف مدرسة غزة الجديدة للذكور، شارحاً لـ"العربي الجديد" أنّ "البيع اليومي تقلّص إلى أقلّ من النصف بالمقارنة مع العام الماضي. وقد تعرّضت إلى خسارة في الأيام الثلاثة الأولى من العام الدراسي الجديد، بعدما اشتريت كميات كبيرة من الخبز". يضيف البواب أنّ "الواقع مأساوي جداً، فنحن ندفع بدل إيجار شهري للمدرسة ومن ضمن ميزانية محددة. والحال هذا العام كارثية، فكثيرون هم التلاميذ الذين ينظرون إلينا من بعيد، فنشعر بحسرة تجاه هؤلاء الذين لا يستطيعون شراء ساندويش واحد"، لافتاً إلى أنّ "بعضاً منهم صار يحضر طعامه معه من المنزل ويتناوله إمّا في غرف الصفّ وإمّا بعيداً عن المقصف". من جهته، يشير علاء المبيض الذي يدير المقصف في مدرسة الزيتون المشتركة، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "تراجع البيع دفعني إلى الاستغناء عن عامل، وأكتفي اليوم بالعمل مع ابني، علماً أنّ البيع تراجع إلى أقلّ من نصفه بالمقارنة مع العام الماضي". وإذ يؤكد أنّ الأزمة حقيقية، يتساءل: "ما ذنب طفل صغير حتى يُحرم من شراء ساندويش مثل رفاقه؟".