تكميم مصر... الفقر يلاحق أكثر من نصف الشعب وديون تغرق أجيالاً

25 يناير 2019
الصورة
الغلاء يزيد معدلات الفقر (فرانس برس)
+ الخط -
في يناير/ كانون الثاني 2011، خرج الملايين من المصريين  في عموم البلاد، ينشدون العيش والعدالة الاجتماعية، طامحين إلى تحسين الأجور والخدمات والإفلات من شبح الفقر، لكن السنوات الثماني اللاحقة، أرجعتهم إلى حيث جاءوا ليس بمكتسبات حلموا بها، وإنما منزوعي الجيوب ومحملين بديون ثقيلة، لا سيما بعد أن قفز الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي إلى الحكم بعد أن أطاح الرئيس المعزول محمد مرسي في الثالث من يوليو/ تموز 2013 بعد عام واحد في الرئاسة.

وتظهر البيانات الرسمية ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وقفزات غير مسبوقة في الأسعار، في الوقت الذي أقدم فيه نظام السيسي على إلغاء الدعم وتعويم الجنيه (تحرير سعر الصرف) أمام العملات الأجنبية.

وخرجت أطعمة عدة من قائمة ما يعرف بالأكلات الشعبية بعد أن طاولها الغلاء، فلم يعد طبق الفول الذي طالما كان الغذاء الأساسي لعشرات الملايين لعقود في متناول كثيرين الآن.
وتتكتم الحكومة بشأن إعلان نسبة الفقر الجديدة، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على آخر إحصاء في 2015 والذي بلغ آنذاك 27.8% من إجمالي السكان، ما يعني وجود نحو 30 مليون فقير.

ورغم عدم صدور بيان رسمي من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول نسبة الفقر، فإن وزير التنمية المحلية السابق، هشام الشريف، في تصريحات صحافية في فبراير/ شباط 2017، قال إن نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر الشديد تجاوزت حاجز الـ 40%، وعزا ذلك إلى تعويم الجنيه في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.

وكانت نسبة الفقر في العام الأول للثورة نحو 25.1% وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.

ويشير محللون اقتصاديون إلى أن النسبة الحقيقية للفقر تتجاوز حالياً الـ 50%، بعد أن انجرف الملايين من محدودي الدخل والطبقة المتوسطة إلى خانة الفقراء، بفعل الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات خلال السنوات الأربع الأخيرة، بينما لم تتحرك الأجور بنفس معدلات الغلاء، لا سيما في القطاع الخاص.

وتقدّر الحكومة المصرية خط الفقر بمن يحصلون على دخل شهري بنحو 482 جنيهاً (27.3 دولاراً)، بينما خط الفقر العالمي يصل إلى 57 دولاراً شهرياً، وهو ما يعادل أكثر من ألف جنيه، وفق سعر الصرف الرسمي حالياً.

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "ثورة يناير قامت بهدف تحقيق ثلاثة مطالب أساسية (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)، اثنان منها يتعلقان بالشأن الاقتصادي وهما العيش والعدالة الاجتماعية، لكن في اعتقادي فإن هذه المطالب لم تتحقق، بل ربما حدث العكس".

وأضاف عبد المطلب: "رغم أن شهر مايو/ أيار 2011 شهد زيادات كبيرة في دخول غالبية الموظفين، والاتجاه نحو تحقيق عدالة في الدخول، إلا أن المشاكل السياسية والاختلال الأمني وأزمة الوقود أدت إلى ارتفاع تكاليف النقل، وبالتالي ارتفعت الأسعار، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات الفقر لتزيد عن 28%، بل وصولها إلى أكثر من 50% في بعض محافظات الصعيد (جنوب مصر)".

وتابع أن "سياسات الإصلاح الاقتصادي التي طبقتها الحكومة منذ 2014، هوت بقيمة الجنيه أكثر 100% دفعة واحدة فور قرار التعويم نهاية 2016، وأدى ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم، لتصل إلى أرقام فلكية غير مسبوقة، إذ سجّل نحو 30% كمتوسط عام خلال عام 2018".

وقال إن إجبار البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة لتلامس 20% أدى أيضاً إلى ارتفاع تكاليف الحصول على الأموال، وكان الشباب هو الخاسر الأكبر، إذ توقّفت الدولة نهائياً عن التوظيف في الجهاز الإداري للدولة.

وتعاني البلاد من تفاوت كبير، وقال البنك الدولي في تقرير له في إبريل/ نيسان الماضي إن "التفاوتات فيما بين المناطق لا تزال تمثل جزءاً من المشهد العام في البلاد، إذ تزيد معدلات الفقر في قرى الصعيد بواقع ثلاثة أمثال عن معدلاتها في المدن الكبرى".

ووفق البيانات الرسمية التي اطلعت عليها "العربي الجديد" وصلت نسبة الفقر في ريف الوجه القبلي (جنوب) إلى 51.4% في 2015، بينما بلغت في ريف الوجه البحري 17%.
كما أن نسبة الفقر بين العاملين في القطاع الحكومي وقطاع الأعمال العام بلغت آنذاك 13%، في حين وصلت في القطاع الخاص إلى 21.6%.

ورغم خروج الثورة للمطالبة بالعدالة الاجتماعية، إلا أن الحصول على فرصة عمل كريمة يظل يراود الملايين من الشباب، وقال خيرت بركات رئيس الجهاز المركزي للإحصاء في وقت سابق من الشهر الجاري، إن نسبة البطالة بلغت 10% في عام 2018.

إلا أن هذه المؤشرات لا تجد قبولاً من كثير من الباحثين وخبراء الاقتصاد، الذين يقدرون نسبة البطالة بأكثر من 25% خلافاَ لما تعلنه الحكومة، لا سيما في ظل عدم تعافي السياحة ومحدودية الصادرات وتعثر الكثير من المشروعات، في ظل ارتفاع كلف الإنتاج وتزايد أعباء الاقتراض.

وإلى جانب تجميد التوظيف في الجهاز الإداري للدولة، تخطط الحكومة لتسريح ما يقرب من مليوني موظف من القطاع الحكومي، وفق ما كشفه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عن أنه يعمل على إعادة هيكلة للحكومة، تتضمّن تخفيض عدد موظفي القطاع العام بإحالة 38% على الأقل إلى التقاعد في السنوات العشر المقبلة.

وتظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) أن عدد العاملين في القطاع الحكومي يبلغ حاليا نحو 5 ملايين موظف، الأمر الذي يجعل عدد من سيحالون إلى التقاعد، وفق النسبة التي تحدث عنها رئيس الوزراء، يبلغ نحو 1.9 مليون موظف.

ورغم تزايد الضغوط الناجمة عن الغلاء والبطالة، ما تزال الحكومة تواصل سياسة رفع الأسعار عبر إلغاء الدعم، خاصة الوقود، الذي ينتظر تحريره بشكل كامل خلال العام المالي المقبل 2019 /2020 بعد أن بدأت في تقليصه منذ 2014.

المساهمون