تقارب روسي تركي بشأن ليبيا...واستقالة السراج تسرع مشاورات الحل

18 سبتمبر 2020
الصورة
اتّهم السراج "الأطراف المتعنتة" بالمراهنة على الخيار العسكري (Getty)
+ الخط -

فيما يسيطر الجمود على الآلة العسكرية لطرفي النزاع في ليبيا، مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، كانت التطورات السياسية تتسارع، مع تحديد رئيس حكومة الوفاق فائز السراج موعداً أقصى لتسليم مهماته نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وربطه هذا الأمر بالتوصل إلى تشكيل سلطة جديدة. 
وقد يترك تنحي السراج فراغاً سياسياً كبيراً، خصوصاً أن التوافق على بديل عنه، مع بقاء المجلس الرئاسي والحكومة الحالية، أمر يكاد يكون مستحيلاً في ظل وجود الأطياف المختلفة التي توالي الحكومة، لكن قراره سيسرع الدفع للتوصل إلى حل سياسي، بعدما أنهت قوات حكومة الوفاق، في يونيو/ حزيران الماضي، هجوم مليشيات حفتر على طرابلس، الذي استمر 14 شهراً، وأجبرتها على الانسحاب من العاصمة. وبرزت في اليومين الماضيين مؤشرات حول تزايد التقارب بين أنقرة وموسكو بشأن الوضع في ليبيا، وإعلان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، في مقابلة مع قناة "سي أن أن ترك"، بثت مساء أمس الأول، وجود مباحثات على مستوى الاستخبارات بين تركيا ومصر، من دون تحديد ما إذا كانت هذه المباحثات تشمل الوضع في ليبيا.
وأشار جاووش أوغلو، في المقابلة، إلى أن مسؤولين من تركيا وروسيا اقتربوا من اتفاق بشأن وقف إطلاق النار وعملية سياسية في ليبيا خلال اجتماعات جرت بينهم في أنقرة أخيراً. وقال، رداً على سؤال عن استقالة رئيس حكومة الوفاق: "هناك مباحثات لوقف إطلاق النار بين طرفي الصراع بليبيا، ونحن نريد هذا أيضاً (وقف إطلاق النار)، والسراج قال إنه إذا تم التوصل لاتفاق واتجهت البلاد للانتخابات فإنه قد يتقدم باستقالته". وحول المباحثات التركية الروسية بشأن ليبيا، قال جاووش أوغلو: "في النهاية هدفنا مع روسيا تحقيق وقف إطلاق النار في ليبيا، فهم (الروس) مع الطرف الآخر، أما نحن فمع الإدارة الشرعية". وأضاف "لقد تقاربت وجهات النظر بيننا خلال مباحثاتنا الأخيرة المتعلقة بوقف إطلاق النار في ليبيا والعملية السياسية بالبلاد".

أنقرة مستعدة للعمل مع أي شخصية لها تأثير على الغرب الليبي

وفي الوقت الذي كانت فيه أنقرة تتقارب مع موسكو، شن جاووش أوغلو هجوماً على فرنسا بسبب التوترات في شرق المتوسط، وقال "فرنسا في ظل استمرار هذه التوترات ترغب في بيع السلاح، وهذا الكلام ساري بالنسبة لليبيا، فالشركات التي تبيع الأسلحة بفرنسا توجد في مدينة أحد الوزراء، وهي باستمرار تبيع الأسلحة". من جهته، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الخميس، سياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ"المتخبطة"، وقال "لو انسحبت تركيا من سورية فهل سيحل الأمن والاستقرار فيها، ولو انسحبنا من ليبيا هل سيتراجع الانقلابيون ويسلمون السلطة للحكومة الشرعية مباشرة، ولو تجاهلت تركيا وجود الإرهابيين قرب حدودها، فهل سيتطهر شمال العراق منهم؟".
من جهتها، أوضحت مصادر تركية مطلعة، لـ"العربي الجديد"، ما قصده وزير الخارجية التركي عن التقارب مع روسيا، وقالت "ما قصده جاووش أوغلو هو تحقيق تقدم في المفاوضات السياسية بين طرابلس وطبرق، من دون أن يرتبط ذلك باستقالة السراج، حيث إن المباحثات السياسية حققت تقدماً نوعاً ما في ما يتعلق بتطبيق الاتفاقات السابقة الموقعة بين الأطراف الليبية، والتي تنص على توحيد المؤسسات الليبية المختلفة، وتوحيد الحكم بين الأطراف المتنازعة. وبالتالي القصد هنا التوافقات السياسية فقط، من دون أن يكون القصد الحديث عن حسابات ميدانية". وشددت المصادر على أن "المباحثات السياسية الجارية هي التي قصدها جاووش أوغلو، خصوصاً أنها ستستكمل في الأيام المقبلة، ولم تصل إلى طريق مسدود".

ونفت المصادر نفسها أن تكون للتوافقات التركية الروسية السياسية علاقة بأي ترتيبات في سرت والجفرة، "إذ لا مؤشرات حالياً على تحولها إلى منطقة منزوعة السلاح، وهو ما يعني قبول تركيا ضمنياً بالوضع الراهن، خصوصاً أن تركيا تسعى باتجاه فصل الملف الليبي عن الملف السوري، وبالتالي فإن التوافقات الجارية هي بين حكومة طرابلس وبرلمان طبرق". وأوضحت أنه إلى جانب هذه التوافقات، لا تزال تركيا "تترقب مواقف الدول المعنية الأخرى (بالصراع) التي لم تصدر حتى الآن موقفها من التطورات السياسية والمفاوضات بين الأطراف والتقدم الحاصل بشأنها". ووفقاً للمصادر، "من المهم أن تعرف تركيا مواقف كل من فرنسا ومصر والإمارات، الداعمة لحفتر الغائب عن المفاوضات السياسية، خصوصاً أن روسيا ليست في موقع المسيطر بشكل كامل على حفتر، الذي تربطه علاقات مع مختلف الأطراف اللاعبة على الساحة الليبية من دول الاتحاد الأوروبي ودول المحور العربي الداعم له وأميركا".
كما نفت المصادر التركية أن "تكون استقالة السراج جزءاً من الترتيبات المستقبلية والتوافقات الجارية". وبحسب المصادر، فإن "أنقرة ليست متمسكة بشخص السراج، بل مستعدة للعمل مع أي شخصية قادمة يمكنها أن تمثل الحكومة الشرعية، ولها نفوذ واسع وتأثير على الأطراف المسيطرة فعلياً على الغرب الليبي". وشددت على أن أنقرة "هي حليف بالنسبة للحكومة المعترف بها دولياً.


المشاورات بين الأطراف الليبية ستستأنف نهاية الأسبوع المقبل
 

وذكّرت المصادر بأن السراج "أعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد دون استشارة تركيا التي بدورها لم تصرح علناً عن دعمها لتلك الدعوة". ولفتت المصادر إلى أن "قضية وزير الداخلية فتحي باشاغا لها دور في الموقف التركي من السراج"، في إشارة إلى القرار الذي صدر عن المجلس الرئاسي أواخر الشهر الماضي بايقاف باشاغا عن عمله "احتياطياً" وإحالته للتحقيق على خلفية قمع التظاهرات التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس، قبل أن يتم الاستماع إليه والعودة عن القرار.
وتأتي هذه المعطيات بعد ساعات من إعلان السراج رغبته في تسليم مهام منصبه إلى "سلطة جديدة في موعد أقصاه نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل".
وطالب السراج، في كلمة وجهها ليل الأربعاء للشعب الليبي لمناسبة ذكرى الشهيد، لجنة الحوار السياسي، المؤلفة من ممثلين عن مجلس الدولة ومجلس النواب في طبرق، "الاضطلاع بمسؤوليتها التاريخية في الإسراع بتشكيل هذه السلطة لضمان الانتقال السلمي والسلس". واتّهم السراج "الأطراف المتعنتة"، على حد وصفه، بالمراهنة على الخيار العسكري لتحقيق أهدافها رغم "تقديم الحكومة الكثير من التنازلات لقطع الطريق على هذه الرغبات الآثمة، ولإبعاد شبح الحرب ولكن دون جدوى". وعبر عن ترحيبه بـ"الجهود الحالية الساعية إلى إيجاد حلول سلمية للأزمة في البلاد وجميع اللقاءات والمشاورات"، وعن أمله في أن تكون هذه الجهود "فاتحة خير للتوافق".

في هذه الأثناء، كشفت مصادر ليبية مطلعة عن استئناف المشاورات بين الأطراف الليبية، نهاية الأسبوع المقبل، لبدء ترتيبات إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتكوين حكومة وحدة وطنية وتوحيد المؤسسات السيادية التي تعاني من انقسام إداري منذ 6 سنوات.
وبحسب المصادر، فإن المشاورات المرتقبة ستتضمن بدء ترتيبات فعلية لإعادة تشكيل المجلس الرئاسي، بواقع ثلاثة أعضاء، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تباشر مهامها مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. وبينما أشارت المصادر إلى أن الخطوة جاءت بعد إقناع فاعلين دوليين في الملف الليبي السراج بضرورة إرجاء استقالته إلى حين توصل الأطراف لتشكيل مجلس رئاسي جديد، فقد أكدت أنه اشترط على الوسطاء الدوليين أن تتوصل الأطراف إلى توافق قبل نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وأن يتوافق مجلسا النواب والدولة على قاعدة دستورية للاستفتاء على الدستور المفضي إلى انتخابات عامة في البلاد.
وفي السياق، رأى الأكاديمي الليبي خليفة الحداد أن رئيس حكومة الوفاق واجه ضغوطاً منذ اندلاع المواجهات العسكرية بين قوات الحكومة ومليشيات حفتر طيلة أكثر من عام في جنوب طرابلس، بشأن التجاوب مع المطالب الدولية لوقف إطلاق النار وبدء عملية سياسية جديدة، في ظل رغبة قادة قوات الحكومة بالاستمرار في العمليات العسكرية للسيطرة على سرت والجفرة، خصوصاً بعد تحول المنطقتين إلى نقطة صراع غير ظاهر بين أهم قطبين في الملف الليبي، وتحديداً تركيا وروسيا. وأشار الحداد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى الخلافات الداخلية في حكومة الوفاق، ولا سيما بين السراج وباشاغا، على خلفية التظاهرات التي شهدتها طرابلس، والتي كشفت عن هشاشة العلاقة بين المجلس الرئاسي والحكومة التي رفضت العديد من قراراته، خصوصاً المتعلقة بمحاولة تطويق تلك التظاهرات.
لكن الباحث الليبي في العلاقات الدولية مصطفى البرق رأى أن قرار السراج يتضمن إيجابيات، منها وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته لتسريع خطواته نحو حلحلة خلافاته، لافتاً إلى أن تصريحات وزير الخارجية التركي حول اقتراب أنقرة وموسكو من اتفاق بشأن وقف إطلاق النار في ليبيا من بين المؤشرات الإيجابية. وأضاف البرق، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "تحديد السراج لمهلة زمنية لاستقالته أحرج الجميع، حتى خصومه، فحكومة الوفاق هي الطرف المعترف به دولياً، وهي التي تدير المؤسسات الهامة كالنفط، وتنحيه يعني فراغاً سياسياً كبيراً، خصوصاً أن التوافق على بديل عنه، مع بقاء المجلس الرئاسي والحكومة الحالية، أمر يكاد يكون مستحيلاً في ظل وجود الأطياف المختلفة التي توالي الحكومة".
وعلى جبهة ثانية، تصاعدت الضغوط على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس لتعيين مبعوث أممي جديد إلى ليبيا بشكل سريع، خصوصاً بعد تبني مجلس الأمن، الثلاثاء الماضي، قراراً، بضغط أميركي، صادق فيه على إجراء تغيير بنيوي في مهمة الأمم المتحدة في ليبيا، سيشمل مستقبلاً "موفداً" يساعده منسق.
وأشارت مصادر إعلامية إلى طرح اسم مبعوث الأمين العام لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف كمبعوث لليبيا. وأكد مصدر دبلوماسي غربي في الأمم المتحدة، فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ"العربي الجديد"، تداول اسم ملادينوف، موضحاً أن اسمه مطروح بشكل قوي، وأنه يلقى دعم الولايات المتحدة والدول الغربية، إلا أنه توقع أن يعترض الاتحاد الأفريقي ودول أخرى على تسمية شخص أوروبي آخر لواحد من تلك المناصب المهمة.
وكان غوتيريس قد تطرق إلى الملف الليبي في مؤتمر صحافي لمناسبة افتتاح الجمعية العامة في دورتها الجديدة، قال فيه إن "مشاعري مختلطة حول هذه اللحظة، من ناحية، فإنها فضيحة أن هناك دولاً مستمرة بتصدير السلاح للطرفين، وتخرق حظر تصدير السلاح إلى ليبيا الذي فرضه مجلس الأمن. بل إنهم يخلفون بوعودهم التي قطعوها في مؤتمر برلين". وأشار إلى أنه "من ناحية أخرى، وصلنا إلى وقف عسكري للقتال، وهذا طبعاً مختلف عن اتفاق وقف إطلاق النار، حيث لم نصل بعد إلى هناك. كما أن هناك عدداً من الأمور الواعدة في هذا السياق، بما فيها الحوار العسكري 5 + 5. حتى لو لم نتوصّل إلى اتفاق فوري ولكن الحوار مستمر. كما عقدت لقاءات في جنيف برعاية الأمم المتحدة بين ممثلين عن السراج و(رئيس مجلس النواب بطبرق) عقيلة (صالح)، إضافة إلى محادثات المغرب. وعقدت اجتماعات بدعم من الأمم المتحدة في جنيف، مع ممثلي عدد من القطاعات المختلفة للمجتمع الليبي". وتحدث غوتيريس عن "وجود رؤية مشتركة في كل تلك المسارات، تركز على الحل والحوار السياسي، وضرورة تجديد المؤسسات الحالية، وإجراء انتخابات خلال وقت مقبول". وعبر عن تفاؤله باختيار مبعوث خاص لليبيا قريباً.


 

المساهمون