تغييرات جذرية لـ"أحرار الشام" لتفادي خطر الزوال

02 اغسطس 2017
الصورة
من معارك "أحرار الشام" في إدلب (فراس فحام/الأناضول)
+ الخط -

تحاول "حركة أحرار الشام"، تجاوز محنة تهدد وجودها في المشهد السوري، من خلال إجراء تغييرات في بنيتها القيادية في مسعى لإيقاف انفراط عقدها، إثر صدام عسكري مع "هيئة تحرير الشام" التي شُكّلت أساساً من "جبهة فتح الشام" (النصرة سابقاً)، وأفضى إلى خروج مقاتلي الحركة من معاقلها الأهم في محافظة إدلب شمال غربي سورية، وذلك على خلفية التحول الأخير في خطاب الحركة السياسي ورفعها علم الثورة السورية، وإبداء استعدادها للدخول كشريك ضمن مفاوضات الحل السياسي، الذي ترعاه الدول المتدخلة بالشأن السوري، الأمر الذي عدّه "هيئة تحرير الشام" خروجاً كبيراً على الجهادية السلفية لدى الحركة.

وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة في بنية وتوجهات كل من تنظيمي "هيئة تحرير الشام" و"حركة أحرار الشام" إلا أن المكون الأساسي لكلا التنظيمين كان قائماً على الجهادية السلفية، فالمكوّن الأساسي لـ"هيئة تحرير الشام"، هو "جبهة النصرة"، التي كانت تتبع لتنظيم "القاعدة"، فيما المكوّن الأساسي لـ"حركة أحرار الشام"، هو فصيل "أحرار الشام"، الذي شكّله مجموعة من الجهاديين السلفيين، الذين خرجوا من سجن صيدنايا منتصف عام 2012 كتنظيم جهادي سلفي سوري لا يتبع لـ"القاعدة"، ولكنه يتوافق معهم كأخوة منهج. وقد بدأ الخلاف بين التنظيمين بعد نحو سنة من توحّد "أحرار الشام" مع عدد من الفصائل ذات التوجهات المتباينة، التي تتراوح بين تبنّي فكر "القاعدة"، وبين تبنّي خطاب وطني سوري وتشكيل "حركة أحرار الشام"، وذلك حين وقّعت الحركة على ميثاق الشرف الثوري مع عدد من فصائل الجيش الحر. وبدأ الخلاف يتسع بين التنظيمين مع تخلي "جبهة النصرة" عن التنسيق مع الحركة وإنشائها "دور قضاء" مستقل عنها، بعد أن كان يجمعهما قضاء مشترك، لتشهد الحركة تحوّلاً جديداً، أبعدها أكثر عن "جبهة النصرة"، وذلك بعد تخليها عن شعار "مشروع أمة" وتبنيها شعار "ثورة شعب".



في المقابل، حاولت "جبهة النصرة" الهروب من موضوع تصنيفها كـ"تنظيم إرهابي"، ففكّت ارتباطها تنظيمياً بـ"القاعدة"، وغيّرت اسمها إلى "جبهة فتح الشام". إلا أن هذا التغيير لم يؤدِّ إلى تقارب مع الحركة، بل أدى إلى مزيد من الاستقطاب بين جمهورها وجمهور "جبهة النصرة"، فشُكّلت "هيئة تحرير الشام" واستقطبت قائد "حركة أحرار الشام" السابق أبو جابر الشيخ، مع لواء تابع له وضمته للهيئة الجديدة. بالتالي ازداد الخلاف بين الفصيلين الأساسيين، والذي انتهى بصدامٍ عسكري، استطاعت خلاله الهيئة السيطرة على معظم مناطق سيطرة "حركة أحرار الشام"، التي فضّلت عدم خوض معركة قد تؤدي إلى مجازر في المنطقة.

وأكدت مصادر إعلامية معارضة أن "نيّة الحركة تتجه نحو إنهاء ولاية قائدها الحالي، علي العمر (أبو عمار)، وتعيين القيادي حسن صوفان الذي ينتمي إلى التيار السلفي الإصلاحي، ويتمتع بنفوذ كبير داخله، بديلاً". وكان صوفان خرج في صفقة تبادل للأسرى بين الحركة، وقوات النظام منتصف العام الماضي، بعد اعتقال دام 12 عاماً، إثر تسليمه من قبل السلطات السعودية إلى نظام الأسد، وفق مصادر معارضة. وكشفت المصادر أن "صوفان أدى دوراً بارزاً في استعصاءٍ قام به معتقلون ينتمون إلى تيارات إسلامية في سجن صيدنايا سيئ السمعة شمال شرقي دمشق عام 2008". وأوضحت مصادر مطلعة لـ "العربي الجديد" أن "حسن صوفان المولود في محافظة اللاذقية السورية عام 1979، والذي تعلم العلوم الشرعية في جامعة الملك عبد العزيز في السعودية، سلفي إصلاحي، وصاحب نفوذ بالتيار السلفي الجهادي". وكان مقاتلو الحركة انسحبوا من مواقعهم في محافظة إدلب منذ نحو أسبوعين إلى مواقع لها جنوبي إدلب في جبل شحشبو، وسهل الغاب، والجزء الشرقي من جبل الزاوية، وجزء من سراقب.



وأبدى الباحث في مركز "جسور" للدراسات، ومقره في مدينة غازي عينتاب التركية، عبد الوهاب عاصي، اعتقاده أن "القيادة الجديدة للحركة قادرة على انتشالها من الوضع التي هي فيه، وإعادتها إلى واجهة الحدث السوري"، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "على الرغم الانهيار الذي حصل لها، لكن الحركة جمعت نفسها في جيوب جغرافية، لا توجد فيها هيئة تحرير الشام، وتلقى فيها دعماً شعبياً جيداً".

ورأى عاصي أن "الهجوم العنيف على الحركة من قبل هيئة تحرير الشام لم يدفع قادتها إلى الفرار لتركيا، على عكس بقية الفصائل التي كانت تهاجمها الهيئة"، مضيفاً أنه "اجتمع مجلس شورى الحركة فور سيطرة الهيئة على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، وبدأ أعضاؤه بإعادة تقييم ما جرى من أجل إعادة ترتيب الأوراق، وبناءً عليه جاء قرار العودة إلى الجيوب الضيقة في حماة وجنوب إدلب".

وأوضح عاصي أن "هناك سبباً آخر قد يساعد صوفان على إعادة انتشال أحرار الشام، في حال اختياره لقيادتها، وهو معرفته الدقيقة المبنية على التجربة بتجاوز المشكلات الكبيرة"، مضيفاً أنه "عدا عن نفوذه واعتباره شخصية توافقية داخل التيار السلفي الجهادي، فهو يملك علاقات جيدة بالتيار السلفي في السعودية، ومنظّريه أو المشايخ الذين لهم غالباً تأثير على الفصائل الأخرى، وأقصد هنا هيئة تحرير الشام".



وكانت "حركة أحرار الشام" تأسست في أواخر عام 2011، من اتحاد فصائل عدة في ريف إدلب لمواجهة نظام الأسد، الذي واجه الحراك الثوري السلمي بعنف، دفع المعارضة السورية إلى انتهاج العسكرة للرد على الانتهاكات الدموية بحق المتظاهرين".

عسكرياً، بدأت "حركة أحرار الشام" نشاطها ضد قوات النظام، منذ ذلك الحين، واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة تحقيق انتصارات عسكرية مهمة، وانتزعت السيطرة على العديد من المناطق في عموم سورية. ولكن النقلة الكبرى في مسيرة الحركة العسكرية كان اشتراكها مع فصائل أخرى في السيطرة على مدينة الرقة في شرق البلاد في بدايات عام 2013، حيث باتت، منذ ذاك الحين، من أبرز الفصائل التي تواجه قوات النظام، والمليشيات التي تساندها، وأصبح لها حضور على مختلف جبهات الصراع مع النظام. وتعرّضت "حركة أحرار الشام" لضربة كادت أن تطيح بها، حين قتل قائدها، وأحد أبرز مؤسسيها وهو حسان عبود (أبو عبد الله الحموي) وشقيقاه، مع أكثر من 45 قيادياً آخرين في سبتمبر/ أيلول من عام 2014، كانوا في اجتماع لمجلس شورى الحركة في بلدة رام حمدان، بريف إدلب شمالي سورية، في تفجير لا يزال الغموض يلفه، إذ لم يصدر اتهام واضح لجهة معينة بالوقوف وراءه.

ولكن الحركة استطاعت استيعاب الصدمة، فاختارت قائداً جديداً هو أبو جابر الشيخ، وأبو صالح طحان قائداً للجناح العسكري، وأجرت مراجعات لمنهجها. وأكدت الحركة في خطابها أنها "تؤيد قيام حكومة منبثقة من الشعب تدير البلاد وفق دستور مصدره الرئيسي الإسلام"، مؤكدة أيضاً أنها "بعيدة عن نهج تنظيم القاعدة، وتحارب فكر تنظيم داعش"، واصفة منتسبيه بـ"الخوارج". كما دخلت معه في صدامات مسلحة، منذ مطلع عام 2014، بالاشتراك مع معظم فصائل المعارضة السورية المسلحة، والتي أدت إلى طرد التنظيم من مناطق نفوذه في الساحل السوري، وإدلب، وحلب، ولكنها أفضت إلى خروج الحركة من محافظة الرقة، إثر مقتل العشرات من مقاتليها، وسيطرة التنظيم منذ ذلك الحين عليها.


المساهمون